مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤١٢مناجزة الإلحاد
وتشطح بعض الأطروحات الإلحاديَّة بعيدًا فتجيب عن هذا السؤال بالقول: إنَّ هناك شيئًا؛ لأنَّه لو لم يُوجَد الشَّيء لما أمكن أن نسأل عنه!! أو القول: إنَّه لو لم يكن هنالك شيء فإنَّك لن ترضى عن نفسك!! ومثل هذه الإجابات المضحكة لا تصلح إلا للتسلية عن الثكالى أو للإضاحك في مسرح المهرجين، وهي تمامًا كمثل من يسألك: لماذا أنت حي؟ فتجيبه: لأنني حي! أو من يسألك: لماذا السَّماء تُمطر؟ فتُجيبه: لأنَّها تُمطر! وقد قيل - قديمًا - عن مثل هذه الإجابات: أقام يُجهد أيامًا قريحته
وفسر الماء بعد الجهد بالماء
إنَّ وجود الكون ملحوظة بدهية فطرية، وهذه الملحوظة ليست هي التفسير لوجود الكون، بل هي التي تفرض الحاجة إلى التَّفسير، فأنت عندما تُشاهد التفاحة تسقط على الأرض لن تقول: "إنَّها تسقط على الأرض وكفى“. بل ستنتقل مباشرةً إلى مرحلة طلب التفسير! ولو افترضنا بأنَّ هناك جماعة إرهابيَّةً اختطفت مجموعةً من الأشخاص، ثمَّ جعلتهم يصطفون واحدا تلو الواحد، وأطلقت عليهم الرَّصاص، فماتوا من فورهم إلا شخصًا واحدًا، فلا شك من
أنَّه سيسأل: لماذا لم يُصبني الرصاص؟! ولن يكتفي بالقول: لم يُصبني لأنَّني ما زلتُ حيَّا!!
ليست القضيَّة محصورةً في عجز العِلم الطبيعي عن البت في القضايا (الغائية)؛ لأنَّها خارجةً عن اختصاصه، بل القضيَّة هي عدم وجود جواب معتبر يمكن الالتجاء إليه في الخطابات الإلحاديَّة بناءً على تنظيراتها!! فالبحث عن (المعنى) غير ممكن في ظل النظرة الاختزالية للوجود، إنَّه يُشبه تمامًا الاقتراب من أشفار لعنة سيزيف، حيث تتكرر محاولات دحرجة الصخرة ذهابًا وإيابًا إلى ما لا نهاية وبلا معنى أو هدف مقصود!
التهرب الذي يُبديه الإلحادُ من هذه الأسئلة عن طريق التقليل من شأنها، أو الاستهزاء بها، أو عن طريق تغيير أدواتها الاستفهامية من (لماذا) إلى (كيف)، يُذكرنا بـ (سرير بروكرستس)، فقد جاء في الأساطير اليونانية القديمة أنَّ بروكرستس كان يمتلك سريرًا صغيرًا، فكلما أتاه ضيف طويل القامة قام بتقطيع أطرافه لكي تتلاءم مع حجم الشرير! وهكذا هو شأن الإلحاد في هذه القضيَّة، فلمجرَّد عجزه عن الإجابة عن الأسئلة الوجودية يقوم بمهاجمتها وتشذيب أطرافها لتتناسب مع نموذجه القاصر!
- يُنظر: (https://www.ted.com/talks/jim_holt_why_does_the_universe_exist/transcript) .
412