مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤١٩

المبحث الثامن: المستوى الفطري

السَّادس: إنَّ كلَّ حاسة من حواس الإنسان تختص بإدراك نوع معين من المدركات فالعين تُبصر الأشكال والألوان، والأذن تسمع الأصوات … ولكن ما يلفت النظر ويبعث على الدهشة هو أنَّ الحواس جميعها تشترك في انفعالها بالجمال، متخطيةً بذلك حدود مدركاتها الخاصة لتلتقي معًا خارج تلك الحدود الضَّيقة في مجال أرحب للوعي، ينقلها من الاختلاف

والتميز إلى الاشتراك والتَّماثل، ويعرج بها من التَّجزئة والافتراق إلى التماهي والتَّوحد. السابع: هيام الإنسان بحقيقة الجمال تجاوز في خبرته الجمالية دائرة المحسوسات، ومضى قدما ليستشعر الجمال في الأمور المجرَّدة والمعنوية؛ لذلك نجده يستشعر الجمال في النَّظريات العلمية، وفي القيم والمواقف الإنسانية.

هذه الشواهد - وغيرها الكثير - تكشف عن الصلة الأصيلة التي تربط الإنسان بظاهرة الجمال، وعن الاهتمام الكبير الذي يُوليه الإنسان لهذه الظاهرة. ويبدو - من خلال ما سبق تناوله - أنَّ هنالك أربع مقدمات رئيسة في دراسة دلالات الجمال، نذكرها على النحو الآتي: المقدمة الأولى: وفرة الجمال وسعة انتشاره

-

الجمال يبدو ملازما للطَّبيعة، فجمال الشحب وألوان الطيف والسَّماء الزرقاء، والبهجة الرائعة التي تملأ نفس الناظر إلى النُّجوم وإلى القمر في طلوعه والشَّمس في غروبها، كلُّ ذلك يهز مشاعر الإنسان ويسحرها، وتحت (الميكروسكوب) تجد أنَّ أصغر حيوان وأدق زهرة تزينها خطوط من الجمال مُحكمة الصنع، والخطوط البلورية من ندفة الثلج إلى الأشكال صادقة لدرجة مدهشة، حتَّى أنَّ الفنّان ليس بوسعه إلا أن يُقلدها أو يجمعها معا، يقول ديفيد بوم: "كلُّ ما يُمكن العثور عليه في الطَّبيعة - تقريبًا - يتبدى عن شيءٍ من الجمال، سواء في الإدراك الفوري له أو في التحليل الفكري“. ويقول الكاتب والناقد الأمريكي ألكسندر أليوت: "يبدو أنَّ الجمال وجه من أوجه كل شيء!

الأصغر منها هي.

(1)

المقدمة الثانية: الجمال حقيقة أصيلة إنَّ مشهد التَّلج الذي تَعرِضه الطبيعة، والذي تُشكل النافذة إطارا له، هو أجمل من جميع تلك المشاهد الشَّتويَّة التي تعرضها لوحات المتحف، وتُمثلُ هذه المفاضلة بين الجمال

1 - ديفيد جوزيف بوم (1917 - 1992 م) عالم فيزيائي أمريكي له إسهامات بارزة في مجالي: فيزياء الكوانتم والفيزياء النظرية. وله اهتمامات كبيرة بعلم النفس العصبي والفلسفة، وكان مقربًا من ألبرت أنيشتاين.

419