مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٢٠

مناجزة الإلحاد

الطبيعي والجمال الفني واحدةً من قضايا عديدةٍ تُطرح على بساط البحث حول طبيعة هذين الجمالين، والصلة التي تربط بينهما.

ولكن ما يهمنا الآن هو السُّؤال عما إذا كان الجمالُ الطَّبيعي يُعد أمرًا مرادًا ومقصودًا بالذات، أو أنَّه مجرد أمرٍ ثانوي وعارض؟ ويختص هذا السؤال بالجمال الطبيعي فقط دون الجمال الفني؛ إذ لا يشك أحدٌ في أنَّ الفنّان حين يرسم لوحةً من اللوحات يسعى إلى توليد الجمال ويقصد إلى إبداعه، فاللوحة تُعبرُ في المقام الأوّل عن الجمال - وهذا لا يمنع من وجود أغراض أُخرى تحملها في داخلها - غير أنَّ الفنان إذا أراد للوحته أن تنطق بمعنى من المعاني فإنَّه لا يُطلق ذلك المعنى بصورةٍ مباشرة، ولكنَّه يُوحي به إيحاءً من خلال الجمال الذي يشيع في أرجاء لوحته، فالجمال هو اللغة التي يستعملها الفنان في أداء رسالته، ولذلك يمكن القول وبكل جزم أنَّ الجمال في الأعمال الفنيَّة أمر مقصود للفنان وليس مجرد شيء عارض.

يبدو

هذا فيما يتعلق بالجمال الفني، فماذا عن الجمال الطبيعي؟! أن مسألة وجود قصد في الجمال الطبيعي لم تَسْلَم من الأخذ والرد، وقد ظهر في الإجابة عن هذه المسألة اتجاهان: يرى أحدهما أنَّ الجمال لم يكن مقصودًا في عالم الطبيعة، بينما يرى الآخر العكس. وممن تبنى الاتجاه الأول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في كتابه (ما الأدب)، فقد أرجع وجود الجمال في الطَّبيعة إلى الضرورة الطبيعية وحتمية القوانين نافيًا أن يكون هنالك أي إرادة أو قصد من ورائه وهذا يعني أنَّ زرقة الماء - مثلا - لم تكن مقصودةً بحيث تضفي على الماء رونقا وجمالا يروق لعين الناظر، وإنما هي قوانين الطبيعة التي تُؤدي وظائفها فيظهر الجمال بصورةِ عَرَضيَّةٍ غير مقصودة! أما الاتجاه الثَّاني فإنَّه يرى أنَّ حتميَّة القوانين لا تكفي وحدها لتفسير ظهور الجمال، بل الجمال وُجد نتيجة إرادة ووعي؛ مما يجعله مقصودًا بالذات، وليس مجرد شيء عارض كما يعتقد أصحاب الاتجاه الأوّل. لنأخذ قياسًا تمثيليا لذلك؛ فقد يستطيع أحدنا أن مجهزا لإنتاج عربات جميلة، ولكن الجمال في العربة لا يُصبح بذلك ضرورة مطلقة؛ إذ تظلُّ العربات البشعةُ قادرةً على نقل الرُّكَّاب بفعالية ومن الممكن اختراع آلات لإنتاج عربات كهذه بالطريقة نفسها، وليست هنالك أي ضرورة مطلقة تفرض - في المقام الأول - أن تشتمل القوانين الفيزيائية للطَّبيعة على الجمال والتَّناسق ولنا أن نتصوّر كونًا آخر ذا قوانين طبيعية

يبني

مصنعًا

420