مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٢١المبحث الثامن: المستوى الفطري
معقدة وغير متماثلة لغير ضرورة يُنتج نُدَفًا ثلجيَّةً بشعةً بضرورة ميكانيكية!! الضَّرورة إذن؛ لا تُقدم تفسيرًا كاملًا ونهائيا للجمال.
ومعنى ذلك هو أنَّ جمال كائنات الطَّبيعة مع أنه قد ينبع من صميم القوانين الفيزيائية والكيمائية ولكن ما يجب لحظه هو أنَّ هذه القوانين قد انتخبت بطريقة خاصة؛ بحيث تُنتج الجمال إلى جانب الوظائف الأخرى؛ إذ إنَّه لم يكن من المستحيل أن تُوجد هذه القوانين بصورة أخرى مختلفة بحيث تُعطي الأشياء جميع خصائصها المطلوبة دون أن تمنحها الجمال. وهذا شديدُ الشَّبَه بالمصنوعات البشرية؛ إذ من الممكن تصميم مصنع للسيارات - والمصنع هو بمثابة قوانين الطَّبيعة - يُنتج سيارات قادرة على نقل الرُّكَّاب بأفضل صورة ممكنة، ولكنها ذات مظهر بشع، وبالمقابل فإنَّه يُمكن تصميم المصنع بطريقةٍ أخرى بحيث ينتج جميع المواصفات السابقة إضافةً إلى الجمال.
وعليه؛ فإنَّنا حين نجد أنَّ تلك السَّيَّارات تتميز بخاصية الجمال نُدرك حينها أنَّ المصنع الذي صُنعت فيه قد رُوعي في أساس تصميمه أن يُنتج الجمال، والأمر عينه ينطبق على قوانين الطبيعة، فمما لا شك فيه أنَّ جمال الكائنات إنَّما يَصدرُ عن هذه القوانين، وهذه القوانين صُممت بالصُّورة التي تَهَبُ الكائنات كلَّ ما يُناط بها من وظائف ومستلزمات، وتهبها - في الوقت ذاته - سِمَة الجمال، وإلا فإنَّه لم يكن من المحال وجود قوانين تصدر عنها جميع الوظائف المختصة بالموجودات ولكن لا يصدر عنها الجمال
فالجمال إذن؛ لا تُحتمهُ الوظائف ولا تفرضه الضَّرورات، بل هو أمر زائد على الضرورة ومقصود بالذات. هذا؛ ويمكن لأصحاب الاتجاه الثاني أن يعرضوا نمطا آخر الأمثلة من يتجلى فيها القصد الجمالي بصورة أشد وضوحًا، كالزخرفة التي تُزين ريش الطيور، والأشكال والتخطيطات التي تُظهرها أوراق الأشجار والألوان الزاهية والمتنوعة التي تتميز بها الزهور … إلخ.
لنذكر بشيء من التفصيل مثالاً واحدًا من أمثلة هذا النسق، وليكن مثالنا هو (صوت الإنسان)؛ إذ يُمثل آيةً باهرة من آيات الجمال في الكون بل ويُبرهن بوضوح على أنَّ الضرورة لا يُمكنها أن تفسر وجود الجمال فصوت الإنسان قد يكون أكثر براعةً وتعبيرا من أي آلةٍ موسيقية، والضرورة لا تستلزم أن يكون للإنسان صوت قادر على إخراج نغمات خلابة، إذ يكفي أن يكون له صوت رتيب وممل للاستغاثة أو للتعبير عن حاجات بدنه!! وتشارلز داروين نفسه
421