مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٢٢مناجزة الإلحاد
أقر بأنَّ الضَّرورة لا تستطيع أن تُفسر ما حُبِي به الإنسانُ من مواهب موسيقية فطرية، فقد قال: "وحيث إنَّ الاستمتاع بالأنغام الموسيقية والقدرة على إطلاقها ليسا من الملكات التي تعود على الإنسان بأدنى نفع في عاداته اليومية الحياتية؛ فلا بُدَّ من تصنيفها في عداد أكثر الملكات التي حُبي بها الإنسانُ غُموضًا!
إنَّ وجود الجمال في الكون لا يُمكن تفسيره بأنَّه أمرُ قَسري تحتمه قوانينُ الطَّبيعة؛ إذ من الممكن كما رأينا أن نتصور بدائل لهذه القوانين لا تُؤدي بالضرورة إلى ظهور الجمال، كما لا يمكن تفسيره بأنَّه أمر تفرضه طبيعةُ الأشياء وما يُناط بها من وظائف؛ إذ بيَّنا أنَّ هذه الوظائف لا تستدعي تلك الزيادة الفائضة على الحاجة وضرورات البقاء، وهو ما مثلنا له بصوت الإنسان وما فيه من روعة وتنويع نغمي لا تستلزمه الوظائف الحياتية ولا تفرضه الشؤون المعيشية، وهذا ما يُؤدي بنا إلى القول بأنَّ حقيقة الجمال حقيقةً زائدة على الضرورة ومقصودة بالذات؛ أي أنَّها حقيقة أصيلة من حقائق هذا الوجود.
المقدمةُ الثالثة: البعد الجمالي في حواس الإنسان
كذلك
للحواس وظائفها العملية التي تُعين الإنسان على تدبير شؤون حياته وتمكنه من البقاء، ولكن ما يجدر بنا لحظه هو أنَّ عمل الحواس لا يقف عند حدود هذه الوظائف، فهي مُهيَّأة للإحساس بالجمال! فالأذن - مثلًا - لا تنحصر وظيفتها في إدراك الأصوات بما لها من دلائل عملية ومهام وظيفية، بل تقوم - فوق ذلك - بإدراك فروقات صوتية دقيقةٍ تُمكنها من الإحساس بعذوبة الأصوات وتذوقها، مما لا صلة له بحياة الإنسان العملية، ولا بشروط الوجود وقوانين البقاء، فلو كان المراد عند تكوين الأذن أن تُحسِنَ خلاياها الأداء كي يعيش الإنسان، فلماذا يمتد مداها حتى تصل إلى إرهاف الشمع؟! لعلَّ القوَّة التي تقف وراء نشاط هذه الخلايا علمت حاجة الإنسان في المستقبل إلى الاستمتاع الذهني! أم أنَّ المصادفة قد شاءت تكوين الأذن خيرًا من المقصود؟! وما يصدقُ على الأذن يصدق على العين وغيرها؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ حواس الإنسان قد أُعدَّت الجمال بجانب المهام العملية الأخرى!
لتلقي
422