مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٢٣المقدمة الرابعة: ابتهاج النفس بالجمال
المبحث الثامن: المستوى الفطري
لقد حبيت جملة من الكائنات الحيَّة بموهبة عظيمة تتمثل في قدرتها على الوعي والإدراك، وتتجلى هذه القدرة بأسمى مراتبها فى الإنسان، بيد أنَّ النَّفس الإنسانية تمتاز - فوق ذلك - بخاصية فريدة، وهي الدهشة والشعور بالبهجة وهنا يكمن السر في تعلق الإنسان بالجمال وتقديره إيَّاه، فلو كانت النَّفْسُ تُدرِكُ فقط من غير أن يُحرك ما تُدرِكُهُ شيئًا من مكامنها، ولا يثير فيها تلك المشاعر الخاصة من الفتنة والابتهاج لفقد الجمال قيمته، ولخسِرَ كلَّ معناه، وبذلك يظهر أنَّ كلَّ ما يزخر به الكون من سحرٍ ووضاءة وبهاء ما كان ليتَّخِذَ أي معنى، أو يكتسب أيَّ قيمة لو لم تكن النَّفْسُ الإنسانية مهيأة للشُّعور بالبهجة، ومُتَّسِمة بالقدرة على الدهشة والذهول.
دلالات المقدمات السابقة:
تناولت المقدمة الأولى قضيَّة (وفرة الجمال وسعة انتشاره، وأهمية هذه المقدمة هي في إرجاع الجمال إلى وجودِ حكيم مُدبرٍ وإرادةٍ حُرَّةٍ؛ ممَّا يُلغي حتمًا دور الصدفة والعشوائية، فلما كان الجمالُ على هذه الدَّرجة الكبيرة من السَّعة والانتشار فمن غير المُحتمل أن يُفسَّر ذلك على أساس معطيات الصُّدفة؛ إذ ليس من شأن الصدفة أن تتَّصف بالعموم والاطراد، بل كلما اتصفت ظاهرة من الظواهر بالعموم والاطراد فإنَّ ذلك سيُشكّل دليلًا رصينا على استبعاد الصدفة وإلغاء دورها.
ولقائل أن يقول: إنَّ إبطال دور الصدفة في ظهور الجمال لا يفضي حتمًا إلى افتراض وجود عقل مُدبر؛ إذ هنالك بديل آخر يُمكن أن يكون هو السبب في وجود الجمال، وهذا البديل هو عامل الضرورة، بمعنى أنَّ الجمال لا يُشكل حقيقةً أصيلةً من حقائق الكون، وإنما هو أمر عَرَضي أنتجته القوانينُ الضَّروريَّة بصورةٍ، عفويَّة، فزُرقة الماء - مثلا - لم تظهر نتيجةً لوجود قصد ووعي بهما أصبح الماء متّصفًا بالجمال، بل هنالك قوانين ضرورية تحكمه، ولم يكن المراد هو أن يُوجد لون يسحرُ الإنسانَ ويُثيرُ فيه مشاعر الجمال!
وهنا يأتي دور المقدمة الثَّانية (الجمال حقيقة أصيلة)، والتي بينا فيها أنَّ الجمال ليس حقيقةً عارضةً تفرضها طبيعة الحقائق، بل هو عنصر أصيل وزائد على الضرورة أُريد له أن يظهر على صفحة الكون كحقيقة خاصة، وعليه؛ فإذا بطل دورُ الصُّدفة بناءً على المقدمة الأولى،
423