مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٢٤

مناجزة الإلحاد

وبطل أيضًا عاملُ الضَّرورة بناءً على المقدمة الثَّانية، فإنَّه يتحتّم عندها أن تكون العِلَّةُ في إبداع الجمال هي عقل واع وإرادة هادفة. هذا فيما يتعلق بالمقدمتين الأولى والثانية في معالجة

الجمال من جهة وجوده وحضوره في الكون.

أما المقدمتان الثَّالثة والرابعة فهما تتَّجهان إلى معالجة القضيَّة من جهة الإدراك الإنساني، ومن زاوية الإحساس والشعور؛ ولذلك جاءت المقدمةُ الثَّالثة (البعد الجمالي في حواس الإنسان)؛ لتُبين أنَّ هذه الحواس قد رُكبت بصورةٍ تُمكّنها من إدراك أمور تفيض عن حاجة الإنسان وتتجاوز مستلزمات بقائه وهذا ما يُعطيها القدرة على التقاط دفقات الجمال التي يزخر بها الكون، الأمر الذي لا يُمكن تفسيره على أساس الطَّبيعة وقوانين بقاء الأحياء بمعزل عن وجود القصد والإرادة الحُرَّة؛ لأنَّ قوانين المادة وعوامل التَّطور تقتضي أن يمتلك الإنسان من الخصائص والقوى ما يجعله قادرًا على التَّوافق مع ظروف البيئة والانسجام مع شروطها ومتطلباتها؛ ممَّا من شأنه أن يمنحه إمكان العيش والقدرة على البقاء.

ولكن حين نجد أنَّ قُدرات الإنسان تفيضُ كثيرًا عن حاجاته الحيوية وتزيد على متطلبات توافقه مع البيئة زيادةً كبيرةً فلنا حينئذٍ أن نتساءل عن العِلَّة التي يصدر عنها ذلك الفائض

أراد

والغاية من وجوده؟! إنَّ التَّفسير الوحيد الذي يُمكن تبنيه لفهم هذا الأمر هو وجود عقل مُدبرٍ أ لحواس الإنسان أن تتجاوز - في قدراتها الإدراكية - حدود الحاجة، وتتعدى متطلبات البقاء. والأمر عينه يصدق على المقدمة الرابعة ابتهاج النَّفس بالجمال)، فكما يوجد فائض في قدرة الحواس على الإدراك يُؤهلها للتّفاعل مع آيات الجمال، فإنَّه يوجد فائض مماثل يختص بالنفس الإنسانية، حيث نراها تمتلك من المشاعر ما لا صلة له البتة بالحفاظ على حياة الإنسان واستمرار وجوده فما هو السرُّ الكامن وراء ذلك الفيض من المشاعر، والذي لا علاقة له بواقع الحاجة ولا بشروط البقاء؟!

إنَّ التَّفسير المنطقي الوحيد هو التسليم بوجود مُبدع أراد للإنسان أن يكون مخلوقا فريدًا يتعدى في وعيه حدود المادَّة، ويتجاوز شروط البيئة وقوانينَ الضَّرورة. وبهذا تتألف المقدمات وتكتمل النتيجة، فقد ظهر - جليًّا - أنَّ الجمالَ يُشكّل حجةً ساطعةً على وجود صانع مدبرٍ مبدع للكون وقائم على إدارة شؤونه، وهذه حقيقة لافتةً قد استقطبت العديدين من أهل الفكر وأرباب القلم، فعبروا عنها ببياناتٍ ساحرة تتّسم في الوقت عينه بالعمق والنفاذ. أ. هـ

1 - نهاية الاقتباس من المرجع السابق، ”بتصرف شديد“.

424