مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٢٥

المبحث الثامن: المستوى الفطري

إذن؛ بات من المؤكد أنَّ الطَّبيعة عازمة بكل مظاهرها الدقيقة والجليلة على أن تكون في مستوى جمالي أخَّاذ، فالجمال كما يبدو هو عصَبُ الطَّبيعة وشريانها النابض، ومحاولات التقليل من شأنه أو الاعتراض عليه بوجود القبح ستبوء - لا شك - بالفشل، فإنَّ الأصل بحكم الاطراد والانبثاث هو الجمال، وما وجود القبح إلا لنعرف قيمة الجمال، فبضدها تتبيَّن الأشياء. لقد نص تشارلز داروين في كتابه (أصل الأنواع على أنَّ صُوَر الجمال الطبيعي إذا كانت لم تُخلق إلا ليُعجب بها الإنسانُ فإنَّ هذا سيقضي على فلسفته قضاءً مُبرما، لكنه استبعد أن يكون هذا الزَّعم صحيحًا؛ لأنَّه يقتضي ارتفاع مستوى الجمال الطبيعي بعد وجود الإنسان مقارنةً بما قبل وجوده وهذا الاستبعاد إن أخذنا به وأمعنًا فيه النَّظر فإنَّه لا يقترب من أشفار حقيقة الجمال نفسه ودلالاته على وجود من أبدعه وصمَّمه بغض النظر عن كونه موجودًا ليُعجب به الإنسان أم لحِكم أخرى!

6

ثم يعود تشارلز داروين مرَّةً أخرى ليُصرح بأنَّ الجمال الطبيعي الموجود في كثير من الحيوانات راجع إلى ما أسماه بالانتخاب الجنسي (Sexual Selection) (2)، فالحيوانات الجميلة تكون نسبةُ التَّزاوج بينها أكبر من غيرها، فأنثى الطَّاؤوس - مثلًا - تنجذب إلى الذكر ذي الألوان الجميلة، فيأخذ الانتخاببُ الجنسي مجراه. وهذا - في واقع الأمر - لا يُفسر سبب وجود الجمال، ولا سبب انجذاب الأنثى إلى الجمال، ولا سبب إدراكها للجمال قبل كل شيء، بل ولا يُفسّر وجود الجمال في الأنظمة غير البيولوجية التي لا يعمل فيها مبدأ الانتخاب الجنسي! فمن الذي أبدع الجمال وجعله قانونًا مُطَّردًا؟! ومَن الذي جعله بهجةً للنفوس؟! ومن الذي جعله مفهوما لكي يكون قابلا للإدراك؟! لن تجد إجابةً إلا بالإقرار بوجود الله، وإنَّ أي تفسير للجمال يُرجِعُ وجودَه إلى قانون طبيعي يُولّد سيلا من الأسئلة الأخرى، فمن الذي أوجد هذا القانون الذي

يُفسر به الجمال؟!

يقول روبين كولنز بعد أن اعترض عليه بأنَّ مفهوم الجمال مجرد نتاج للتَّطور لا أكثر، وأنَّ إحساسنا بما هو جميل قد تشكل بالانتقاء الطبيعي: "هذا يُمكن تطبيقه فقط على الأشياء التي يمكن أن نراها، أو نلمسها، أو نسمعها، الأشياء الموجودة في عالمنا اليومي، والضرورية للبقاء، لكن التَّطور لا يمكنه تفسير الجمال الموجود في العالم المستتر للقوانين والرياضيات الفيزيائية. 1 - يُنظر: تشارلز داروين، أصل الأنواع، ص 254.

2 - يُنظر: المرجع السابق، ص 255.

425