مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٤مناجزة الإلحاد
إطلالة
على بلاد الهند
وأما عن بوادر الإلحاد والتشكيك بوجود الله في التَّاريخ القديم، فإِنَّ أَوَّل ما قد يُشتم منه ذلك هو بعضُ النُّصوص العتيقة والمقدَّسة عند الشُّعوب الهندية، فقد جاء في كتاب (الفيدا) (1) هذا النَّصُّ: "مَن ذا الذي يعرف حقا؟! من ذا الذي يُمكنه أن يقول هنا: متى وُلِد هذا الخلق؟! ومن أين جاء؟! لقد جاءت الآلهة بعد خلق هذا العالم، فمن ذا الذي يعرف من أين جاء ذلك الذي من رحابه جاء الخلق سواء كان يضمه معًا أم لا (2). إذن؛ فعلى ما يبدو من الوهلة الأولى أنَّ هذه الكلمات تُمثل أوَّل مخاض للتشكيك والإلحاد عبر التاريخ المدوَّن، فهي تعود إلى (الأوبانيشاد) والذي يُعدُّ من أجزاء (الفيدا) الختامية التي تم تأليفها قبل أكثر من (500) عام قبل الميلاد، والافت للنظر هو أنَّ يراع حكماء الهنود خط هذه النصوص، وعقيدة هؤلاء تقوم على إنكار الذات، ووَحْدَة الوجود،
المتدينين هو من
وأن العالم مجرد وهم، وأنَّه لا يُمكن الوصول إلى معرفة حقيقة الله (3)؛ أي إن السياق - بقضه وقضيضه - يتحدَّثُ عن محاولة تحديد أصول الوجود، وأنَّ هذا التحديد بعيد المنال ومنيع الدرك، فهذه النصوص "تكشف عن إلمام بالمحاولات السابقة لتحديد أصول الوجود» (4). ويؤكد أ. ف. توملين أنَّ النَّشيد السَّابق لم يقصد واضعُهُ أن يُحدِث حالةً ذهنيةً من الشَّك، بل حالة خضوع ذهني، وتوكيدًا مستمرًا على قصور العقل البشري عن إدراك معنى الحياة). و"لم يكن لدى هؤلاء الحكماء تصور واضح عما يبحثون عنه، فقد كانوا يعرفون أنَّه لا بُدَّ من وجود ذلك الذي عن طريقه وُجدت كلُّ الأشياء الأخرى، وهو الذي جعلها عظيمةً ومبهرة، والاسم الذي أعطي لهذا الشَّيء هو (براهمان)؛ أي الإله … وعندما بدأ الحكماء يدركون بصورة أكثر وضوحًا
1 - الفيدا: كان يُطلق على جميع الكُتُب الهندوسية، ثمَّ خُصَّ بأربعة منها، ويُعتبر من أهمّ الكُتُب المقدسة لدى الهندوس، وقد نال شهرةً كبيرةً عند الجماهير، وهو عبارة عن مجموعة من تعليمات النساك قبل الميلاد. (يُنظر: عبد الله. حسين المسألة الهندية
ص 30 - 37).
2 - جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص 47.
- يُنظر: لطفي وحيد، أشهر الديانات القديمة، ص (109). ومرسيا إلياد، تاريخ المعتقدات، (1/ 278).
- جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص (47)، بتصرف“.
ه - يُنظر: أ. ف. توملين، فلاسفة الشرق، ص 178.
44