مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٣٧

المبحث التاسع: المستوى العقلي

(أ) - قانون السببية

وهو قانون عقلي فطري يقتضي أن يكون لكل معلول عِلَّة، ولكل حادِثِ مُحدث، وهذا القانون هو أساس متين من أسس المعارف البشريَّة، بل هو حجَرُ الزَّاوية بالنسبة إلى العلوم التجريبية على اختلافها، فالعِلم التَّجريبي في حقيقته: بحث في الظواهر الطبيعية، يروم ربْطَ كل ظاهرة منها بأسبابها، ولولا هذا القانون لما قامت للعِلم ولا للمعرفة أي قائمة، بل إنَّ يُشكك في صدقيته لن تنقدح في ذهنه فكرةُ التَّشكيك إلا بالضغط على زناد القانون نفسه واستدعاء تدخُلِهِ، وهذا ما يُعرف بـ (التناقض الذاتي)، أو (التفكك المنطقي)!

من

كثيرون ممن حاولوا النيل من قانون الشبية (Causality) كانوا ضحية لمصايد سوء تصورهم له، واعوجاج طريقة تعاطيهم معه، فحري بهم أن يُكلّفوا أنفسهم - ولو قليلًا - دراسة هذا القانون دراسة منهجيَّةً سليمة؛ ليفهموا معطياته فهما نجيحًا نجيعًا؛ حتّى يتلافوا أخطاءهم التي تقذى بها النواظر، وينجوا من الاعتساف في مسالك هذا القانون الأصيل حال حديثهم عنه! ونحن نقدّم بوضع جملة أمور تختصر لهم الدَّرب، وتكشف لهم شيئا من أقطار الطريق:

(1) - قانون السببية قانون عقليَّ فِطري ضروري، وليس قانونًا حسيًّا تجريبيا إلا انتزاعًا)، فهو بهذا الاعتبار فوق الحسّ والتَّجربة ويعلو عليهما، فالحسُّ والتَّجربة يُقادان إلى محكمته طوعًا أو كرها، بل ويقضى بوضعهما موضع الاتهام بالخطأ ومجانبة الصواب إن أبدى ظاهرهما التصادم معه.

(2) - قانون السببية يعم المحدثات بأسرها، فلا تقتصر هيمنته على المادة التي رصدناها، أو على المادة التي لم نرصدها بعد، بل تشمل الحوادث المدركة وغير المدركة، الطبيعية منها وغير الطَّبيعيَّة، وهذه هي خصيصةُ القوانين العقلية؛ العموم والاطراد. (3) - قانون السببية مستقل عن الوجود البشري ومتعال عليه، فهو قانون يسري على الحادثات

1 - أي إنَّ الذهن يقوم بانتزاع قانون السببية - كما يقوم بانتزاع غيره من القوانين العقلية الأخرى كقانون عدم التناقض - من خلال المعارف الأوليَّة التي اكتسبها عن طريق الحواس الداخلية والخارجيَّة، وهذا يعني أنَّ قانون السببية يُعتبر من المعقولات الفلسفية الثانية، وبهذا فهو قانون عقلي وليس قانونًا حسيًّا.

437