مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٣٩المبحث التاسع: المستوى العقلي
- الحادث الذي يُصاحب السَّبب عادةً، ويتصوّرون بصعوبة أن يكون بالإمكان حصول حادث آخر عنه … لذا يرى كثير من الفلاسفة أنَّ العقل يُلزمهم باللجوء في كل مناسبة إلى المبدأ عينه
الذي لا يستدعيه العامي إلا في الحالات التي تظهر معجزة وفائقة للطبيعة .... إِنَّ ديفيد هيوم يُصرح بأنَّ ما يُسمَّى بـ (السَّببيَّة) ما هو إلا تصور ذهني ينشأ عند إدراك وجود تعاقب مستمر بين عمليتين تصديقيتين أسماه بـ (تداعي المعاني)، وأنَّ هذا التداعي ليس برابط لازم أو ضروري للعلاقة بين العِلَّة ومعلولها، ولا ريب من أنَّ العمل بهذه الملحوظات التي تكسر فوتونات أنوار الحقيقة كفيل بتقويض العلوم التجريبية قبل أي شيء آخر، فكلُّ ما نص عليه العِلمُ بأنه سبب لهذه الظاهرة أو تلك يُمسي مُعتَرضًا عليه ومطعونا فيه، تتناوشه مخاليبُ الشَّك من كل جانب، وهذا لوحده يكفي لرد مثل هذه الاعتراضات على أصحابها، إلا أننا - مع ذلك. - سنتعقبها بالنقاط الآتية:
- إنَّ العلاقة بين العِلَّة ومعلولها علاقة ضرورةٍ وتلازم، لا علاقة استدعاء وتعاقب للمعاني، فالضرورة صفةٌ موضوعيَّةٌ مستقلة، وأساسُ الرَّبط بين العِلَّة ومعلولها هو العقل لا الحس؛ إذ لا يُوجد في الخارج كيان معين ومحدَّد يُشار إليه بالبنان، أو تُوجَّه إليه المجاهرُ والمناظيرُ يُقال له: (الشبية)
- لا تعارض بين القول بتداعي المعاني والقول بالسَّببيَّة، فهناك عموم وخصوص بينهما، فتداعي المعاني ما هو إلا صورة من صُوَرِ العلاقة الضَّروريَّة التي تربط العلة بمعلولها، فالقائلون
لا
بالعلاقة الضروريَّة يتبنون القولَ بالتَّعاقب وتداعي المعاني، لكن القائلين بتداعي المعاني يعتقدون بالعلاقة الضرورية، والحقيقة هي ألا تعارض بينهما إلا في ذهن هيوم ومن لفّ لله ورافأه ودامجه، فتداعي المعاني لا يعني نفي الضَّرورة؛ إذ التَّداعي والتعاقب صورةٌ من صُوَرِها.
- إن الاعتقاد بعدم ضرورية الرابطة التي تربط المعلول بعلته يلزم منه جواز صدور كل شيءٍ من أي شي، كما يلزم منه التَّرجيح بلا، مُرجّح، وكلُّ ذلك ظاهرُ البطلان، وليس عليه للحق ظل (2).
- إنَّ قانون السببية قانون عقلي مجرَّد، وليس من أمور الواقع الخارجي المحضة، وعدم التمييز بين الحالين هو الذي اقتاد هيوم إلى مقاصل الاعتقاد بأنَّ العلاقة بين العلة والمعلول
1 - ديفيد هيوم، مبحث في الفاهمة البشرية، ص (102 - 103). 2 - يُنظر: عبد الكريم الزنجاني دروس | الفلسفة، (1/ 173).
439