مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٥المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
أنَّ براهمان لا يُمكن وصفه على نحو مناسب بالالتجاء إلى خبرتهم بعالم الظاهر، حاولوا تحديد
(1)
هذا الواقع بالسلب فصرَّحوا بأنَّ براهمان لا سبيل إلى تصوره والإحاطة به.
ويجب قبل ذلك كله التَّنبه إلى أن نصوص (الفيدا) لم تكن مقدَّسةً عند الأولين، بل اكتسبت قداستها مع مرور الوقت، فصاروا بعد ذلك يعتقدون بأنها وحي من السَّماء، ومع مرور السنين أصبحت نصوصها غامضةً واستعصى فهمها على الأجيال المتأخرة). ولو أمعنا النَّظر قليلًا في النصوص قبل أن نتسرع في تفسيرها بالإلحاد أو غيره لرأينا أنَّ السياقات التي سبقت تلك النصوص نفسها كانت تنص على أنه: "في البدء لم يكن هناك وجود ولا عدم … وما من أثر لليل أو نهار، لم يكن هناك سوى الواحد الذي يتنفس دونما نفس بدافع من ذاته، وعدا ذلك لم يكن ثمة شيء على الإطلاق (3). فلم يكن إذن ثمَّة داع إلى أن يُفسر النَّصُّ السَّابق بمثل تلك التفاسير التي رمت به في سلة الإلحاد! فهذا النَّصُّ الذي سبقه بقليل قد حكم صراحةً بوجود الواحد قبل كل الموجودات. وبهذا تبتعد تلك النُّصوص عن معترك الإلحاد، وتخرج من دائرته. وبمواصلة البحث في الحضارة الهندية وضعنا أيدينا على بعض القضايا الأخرى التي قد يُصنفها من يحلو له التعامل مع التصنيفات الجاهزة في قوائم التشكيك والإلحاد، ولكن بحكم السياقات التاريخية والأوضاع السياسية والاجتماعيَّة؛ نستطيع أن نقول: إنَّ تلك القضايا ليست من قبيل التشكيك والإلحاد - وإن حاول ول ديورانت وغيره أن يجعلوها من هذا الصنف (4) لأنَّهم أشاحَوا بنظرهم عن تأمُّل الأحوال الاجتماعية والسياسية، فعبكوا الأمر وتساهلوا في إطلاق الأحكام - فالمتأمل لواقع انتقاد الكهنة والاستهزاء بهم يُدرك أنَّ هذا الصنيع ما هو إلا انعكاس لأوضاع اجتماعية قاسرة كالاحتكار والطبقية والكهنوتية في تلك المرحلة الزمنية (5)، ولا علاقة له بالإلحاد الموضوعي، وبناءً عليه؛ فإنَّ التَّصورات التي تُخالف الفكر الديني السائد والتي قد يُفهم منها إنكار الله ترجع إلى الآلهة الوثنية السائدة لا إلى أصل الوجود. وقد تكون بعض تلك التصورات المنقولة غير صحيحة، بل من باب التّخاصم والتشاحن وما يتبع ذلك من غمط الحقوق والافتراء وتقويل الآخر ما لم يقله، ويُمكن الاستشهاد على هذا بمدرسة لوكاياتا
1 - جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص (50 - 51).
2 - يُنظر: كامل سعفان معتقدات آسيوية، ص 154. 3 - جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص 46.
4 - يُنظر: ول ديورانت قصة الحضارة، (53/ 3 - 57). ه - يُنظر: علي زيعور، الفلسفة في الهند، ص (121 - 122).
45