مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٤٢مناجزة الإلحاد
الحتمية - وعلى رأسهم أينشتاين - وأنصار الفكرة الاحتمالية التي تبنتها أشهرُ فرضيات فيزياء الكوانتم؛ ولذلك كان أينشتاين يرى أنَّ فيزياء الكوانتم ناقصة، وأنَّ ثمة متغيرات خفية لو علمناها لحصلنا على الحتمية الساكنة خلف هذه النتائج الاحتمالية التي تتحدثُ عنها فيزياء الكوانتم! فالحقيقة إذن؛ هي أنَّ الصراع المحتدم كان يحوم حول مفهوم (الحتمية) ولم يقترب قطُّ من أعتاب السَّببيَّة كما توهَّمَ الكثيرون، وخير دليل على هذا تلك المحادثاتُ الكثيرة التي جرت بين العالمين الكبيرين ماكس بورن وأينشتاين، والتي جمعت - لاحقا - في كتاب (The Born
(Einstein Letters
ثم جاءت بعضُ التَجارِب لتُؤيد جانبًا من وجهة نظر فيزياء الكوانتم ضدَّ الحتمية، وضد المتغيرات الخفية في النهاية، وأكدت الاحتماليَّة وعدم التحديد والتَّعيين في طبيعة الأشياء، ويبدو أن السبب الكامن وراء القول بالحتميَّة هو تبني مسالك الفيزياء الكلاسيكية في التفكير، وهذا يُوضح خط الانحراف في تقرير أنَّ الحتمية ليست منبثقة عن السببية، فضلا عن أن تكون هي السببية نفسها.
لا تعني
بتاتا
هناك ما يعرف بالحتمية الكافية (Adequate Determinism) وهو مفهوم صحيح يرى أنَّ احتمالات فيزياء الكوانتم ليست عشوائيَّةً تماما، بل هي جزء من القانون الطبيعي، فهي حتميَّةٌ لكن بنمط مختلف عن النمط التقليدي، وهذا المفهوم - الحتمية الكافية - يُؤكد أنَّ العشوائية عدم وجود قوانين أو علاقات وطيدة تحكم عالم الكوانتم، وفي هذا يقول عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج في كتابه التصميم العظيم: "قد يبدو أنَّ الفيزياء الكوانتية تُقوضُ فكرةَ أنَّ الطَّبيعة تخضع للقوانين، ولكن ليس هذا هو الحال، وبدلا من ذلك فإنَّها تقودنا لقبول شكل جديد من الحتميَّة بافتراض حالة النظام في وقت ما، فإنَّ قوانين الطبيعة تُحددُ الاحتمالات المختلفة للمستقبل والماضي بدلا من أن تُحدد بيقين المستقبل والماضي … (2). وعلى الجانب الآخر، فهناك اصطلاح علمي قد يقود - أيضًا - إلى الفهم الخاطئ إذا ما تم التعامل معه بالمعنى الفلسفي، وهو مصطلح (النسبيَّة)، فقد كان الزمنُ في عصر نيوتن بالمعنى
1 - يقول روجر بنروز: "ومما يقوله النَّاس عن ميكانيكا الكم إنَّها غامضة وغير محدَّدةٍ ولا يمكن التنبؤ بها، لكن ذلك ليس صحيحًا … إنَّ ميكانيكا الكم محددة ودقيقة … وتظهر عدم القدرة على تحديد ميكانيكا الكم عند تنفيذ ما يُسمى بإجراء القياس فقط». (روجر بنروز، وآخرون فيزياء العقل البشري، ص 26 - 27).
2 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص 89.
442