مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٥٣

المبحث التاسع: المستوى العقلي

الذي ابتكره المعلمُ الثَّاني الفارابي، وخلاصته: إن مقتضى التّسلسل أن تستمد كلُّ عِلَّةٍ وجودها من غيرها إلى ما لا نهاية، وبهذا يُصبح الجميع في حكم الواحد وهو الوجوب بالغير لا بالذات، ومن ثم فلا وجود ا للعلَّة الحقيقية التي أوجدت أوجدت هذه الموجودات بمعنى أنَّ المعلولات لا تنفك عن عللها (قانون السببية)، فإذا كانت جميعُ المعلولات معلولةً لعلل معلولة فما هي العِلَّة التي أنتجت هذه المعلولات؟! لا بُدَّ من وجود عِلَّةٍ غير معلولةٍ ينقطع بها تسلسل العِلل، وإلا لاستمر طنين السؤال العقلي: (ما عِلّة هذه المعلولات؟!) حتَّى يفنى ريقه وينقطع تسلسل السُّؤال نفسه! إنَّ من يُجيز تسلسل العِلل في الماضي إلى ما لا نهاية تماما كمن يُجيز إمكان تعليق الثريا - المصباح المنزلي الكبير - بسلسلة ممتدَّةٍ لا نهاية لها دون أن تتعلَّق هذه السلسلة الممدودة إلى الأعلى بشيءٍ ينقطع معه تسلسلها؟ ومن الذي قال بأنَّ إضافة الأصفار إلى الأصفار مهما تواصلت وتسلسلت سينتج عنها عدد غير الصفر!

الثَّالثة: إنَّ كلَّ ما هو معلولٌ وعِلَّةٌ معًا فهو وسط بين طرفين بالضرورة، فلو تسلسلت العِلل إلى غير النهاية لكانت السلسلة غير المتناهية أيضًا عِلَّةً، ومعلولًا، أمَّا أَنَّهَا عِلَّةٌ فَلأُنَّها عِلَّةٌ للمعلول الأخير، وأما أنَّها معلولة فلاحتياجها إلى الآحاد وقد ثبت أن كل ما هو معلول وعِلَّةٌ فهو وسط، فتكون السلسلة غير المتناهية وسطًا بلا طرف، وذلك محال، فلا بُدَّ أن تنتهي إلى عِلَّةٍ محضة). الرابعة: لن تتحقق ماهية الأشياء إن كان تسلسلها جائزا، فإذا قلنا بأنَّ هنالك مثلثا لا نهائيًا باعتبار أن أضلاعه غير نهائية. فكيف سيكون مثلثا؟! لا بدَّ أن يكون الضلع الثالث قاطعا لهذه التسلسلية (اللانهائية) (2).

الخامسة: إذا تسلسلت العِلل ولم يكن في الوجود واجب وجود، فكل واحد مما هو فوق المعلول الأخير متّصف بالعليَّة بالقياس إلى ما تحته وبالمعلولية بالقياس إلى ما فوقه، فجميع ما فوق المعلول الأخير متّصف بالعليَّة والمعلوليَّة معًا، والمعلول الأخير متّصف بالمعلولية فقط فيلزم زيادة عدد المعلولية على عدد العليَّة بواحدٍ وهو محال؛ لأنّ المتضايفين الحقيقيين يجب تكافؤهما في الوجود فيلزم أن يكون في الوجود موجود متصف بالعلية

1 - يُعرف هذا البرهان ببرهان (الوسط والطرف) وهو من إبداعات الشيخ الرئيس ابن سينا. (يُنظر: السبزواري، شرح المنظومة

(2/ 454

2 - يستدل

بعضهم على إمكان التسلسل بـ (الدائرة) التي لا تُعرف بدايتها ونهايتها، وهذا ضرب من السفسطة - كما لا يخفى - ذلك لأنَّ الدائرة في الحقيقة لها نقطة بداية ونهاية: (زمان) + مكان + فاعل + مادة + صورة).

453