مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٥٤مناجزة الإلحاد
فقط ليستقيم التَّكافؤ الواجب بين عدد العليَّات والمعلوليات، والأمر المتصف بالعلية دون المعلولية باعتبار وجوده في نفسه هو الواجب بالذات؛ بناءً على أنَّ العقل يحكم بأنه يمتنع زيادة عدد أحد المتضايفين على عدد الآخر، كما يحكم بأنَّه. يمتنع تحقق أحد المتضايفين بدون الآخر ولو كان بملاحظة إجمالية).
السَّادسة: نرى بأنَّ العِلم التَّجريبي وخبرتنا الحياتية يُؤكدان بأنَّ كلَّ الكائنات متوقفة على سلسلة من الأسباب تنتهي ضرورةً إلى سببٍ بدائي، فالإنسان له سبب يسبق وجوده من غيره، والحيوان له سبب يسبق وجوده من غيره والنَّبات له سبب يسبق وجوده من غيره، والحياة بأسرها لها سبب يسبق وجودها من غيرها، والمجموعة الشَّمسيَّة لها سبب يسبق وجودها من غيرها، والمجرات كذلك، بل والكون بأسره، إلا أنَّ الجهل المفترض بالسبب الأوَّلِ والنهائي لا يُؤثر في حتميَّة إبطال التسلسل، فالجهل بصفة السبب الأوَّلِ شيء واستمرار التسلسل وإمكانه شيء آخر، وصلاحياتُ العِلم التجريبي لا تسعفنا في تحديد السبب الأوَّل؛ لأنَّ هذا من اختصاصات الفلسفة والنظر العقلي لا العلم التجريبي.
السابعة: نجد أنَّ النَّظريات الرياضيَّة ذات المعنى تشن حربًا ضروسًا ضد التسلسلات غير النهائية، وتُحاول جاهدةً نقض أي عملية توافق معها. يقول ستيفن هوكينج: "الإمكانية الوحيدة للحصول على نظرية ذات معنى هي أن يتم إلغاء كل (اللانهائيات) بطريقة ما دون اللُّجوء لإعادة التطبيع “ (2).
لقد توهم بعضُ النَّاس واستمسكوا بحبال الهباء عندما اعتقدوا بأنَّ الطرق الرياضية والجسيمات الافتراضية في عالم الفيزياء الكميَّة يُمكن أن يُستدلَّ بها على إمكان التسلسل وعدم امتناع وقوعه، وهذا غير صحيح، فعمَّا قليل سيتكشف لهم بَرقُ مُناهم عن سحابٍ خُلَّب! فما تُجيزه الرياضيات (إبستمولوجيا) قد لا يُجيزه الواقع (أنطولوجيا)، بيد أنَّ الطرق الرياضية والجسيمات الافتراضية (اللانهائية) هي في الحقيقة مجرَّد أدواتٍ حسابية، ومن شروط التسلسل الممتنع أن يكون موضوعه موجودًا ومتحققا، واقعيًّا، فخرجت بهذا الشرط الأعداد والتجريدات.
ولمزيد بيان وتأكيد لهذه الحقيقة الغائبة عن ذهن من توهم خلاف ذلك؛ ننقل للقارئ الكريم
1 - محمد جعفر الأسترآبادي، البراهين القاطعة، (2/ 31).
2 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص 138.
454