مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٦٤مناجزة الإلحاد
(1) - دلالة الحدوث
- (1)
لكي يكون الحديثُ في (دلالة الحدوث سمح المقادة، وسهل المعطف، وقريبًا إلى الذهن؛ فإنَّنا سنتناوله تحت تفريعات نظنُّ بأنَّها ستغطي أهم التفصيلات التي تندرج تحت طائلته، كمعنى الحدوث، والبرهنة عليه، والاستدلال به والاعتراضات الموجهة إليه مع نقدها
وتفنيدها، وذلك على النحو الآتي:
معنى الحدوث
الحدوثُ هو: وجود الشَّيء بعد أن لم يكن له وجود. فكلُّ ما كان مسبوقا بعدم فهو حادث،
وهذا هو المراد من الحُدوث ويُقابله القِدَم، وهو على معنيين عند المتكلمين: فقد يكون للشَّيء الذي لم يسبقه عدم، وقد يكون للشَّيء غير المسبوق بالغير).
النظر
فالحدوث إذن؛ هو بحث في إيجاد ما لم يكن موجودًا، أي ما كان مسبوقاً بعدم، بغض صفة الموجود وشكله ونوعه وطريقة عمله، وبهذا يظهر لنا أنَّ الحُدوثُ والقِدَم في الاستعمال العُرفي يختلفان عنهما في الاستعمال الفلسفي.
عن
البرهنة على الحدوث
الكون - بما فيه - حادث؛ لأنَّه مسبوق بعدم، وهذا ثابت بضرورة كلّ من العقل والحس والمشاهدة فأجزاء الكون، حادثة كالإنسان والحيوان والأشجار، والكواكب والنجوم، والمجرات، والذرات، ونحن نشاهد حدوثها صبح مساء، وكلُّها مقدرة بأعمار وأزمانٍ مهما طالت أو قصرت وكلُّ ما تركَّبَ من حوادث فهو حادثُ؛ لأنَّ الكون أو الأكوان بأسرها ما هي إلا مجموع أجزائها؛ إذ لا يُوجد في الخارج شيء يُقال له (كون) إلا بأجزائه التي صار بها كونًا، كالكواكب والنجوم والذرات والطاقات التي تتألف منها ليكون مجموعها هو هذه الأكوان. كما أنَّ الكون مركب من الأجزاء، وكلُّ ما كان مركبًا فهو حادث، وهو أيضًا متغير، وكل ما كان متغيرًا فهو حادث. يقول مفخرةُ العقلاء الفخرُ الرَّازي في تقرير البرهنة على الحدوث:
1 - يُنظر: الحلي، نهاية المرام في علم الكلام (1) (218) - (219)، ويُنظر كذلك: أبو بكر الكندي، الجوهر المقتصر، ص (39).
464