مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٦٥المبحث التاسع: المستوى العقلي
الأجسام لا تخلو عن الحوادث، وكلُّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؛ فالأجسام حادثة. بيان أنَّها لا تخلو عن الحوادث: أنَّها لا تخلو عن الأكوان، والأكوان حادثة، فالأجسام لا تخلو عن الأكوان. بيان أن الأكوان حادثة أنَّ كل كون فإنَّه يصحُ عليه العدم، وكل ما يصح عليه العدم امتنع عليه القدم. بيان أنَّ كلَّ كون يصحُ عليه العدم: أنَّ كلَّ متحيز اختصَّ بحيز فإِمَّا أن يكون اختصاصه بذلك الحيز واجبًا أو جائزا - وكلُّ ذلك حدوث - بيان أنَّ كل ما صح عليه العدم امتنع عليه القِدَم: لأنَّ القديم لا يخلو: أنْ يكون حقيقةً قابلةً للعدم أو لا يكون؛ فإن لم يكن: امتنع العدمُ عليها، وإن كانت قابلة للعدم وهي أيضًا موجودة: احتاجت في وجودها إلى مُرجح، وإلا لم يكن الوجود أولى بها من العدم، وذلك المرجح إن كان ممكنا: عادت الحاجة، ولا تنقطع إلا عند الانتهاء إلى شيء واجب ويحسبُ بعضُ الملاحدة أنَّ الاستدلال على حدوث الكون بحدوث أجزائه مغالطة منطقية تُعرف بـ (مغالطة التركيب / The Fallacy Of Composition) حيث لا يلزم أن تتصف أجزاء الشَّيء بصفة الشَّيء نفسه، فإذا كانت - مثلًا - ذراتُ الرّمل صغيرةً جدا، فإنَّ الجبل الرملي الذي يتألف منها ليس صغيرًا. وهذا الاعتراض لا يخلو من الاعتساف والشَّطط، وهو محلُّ نظر لا يثبت على الشبك؛ لأنَّ صاحبه لم يُفرق بين ما له صفةٌ واقعيَّةٌ وما له صفةٌ غير واقعية وإنما تُؤخذ بالمقايسة والمقارنة! فالحدوث صفةٌ واقعية (حقيقيَّة) لا تحتاج معرفتها إلى فرض ثالث (وسيط مقارن بينما الكبر والصغر صفةٌ غير واقعية (نسبيَّة) تحتاج إلى فرض ثالث وسيط مقارن).
(1) 66
إذن؛ الشواهد الصَّادقة والدَّلائل الناطقة على حدوث الكون تلتقطها الأذهانُ الصَّافية بكل سلاسة، وإذا ما أردنا استظهارها في بضعة سطور على عجالة فإنَّها ستحضرنا على النحو الآتي: - الكونُ مركَّب من أجزاء حادثة، وما تركب من أجزاء حادثة فهو حادث.
- الكون يتغير باستمرار، وكلُّ ما كان متغيرًا فهو حادث.
- الكون يتألف من وجوداتٍ عَرضيَّة، وكلُّ ما تألف من وجوداتٍ عَرَضيَّةٍ فهو حادث. - الكون قابل للعدم وكلُّ ما هو قابل للعدم فهو حادث.
- الكون ممكنُ الوجود ليس بواجب، وكلُّ ما كان ممكنا فهو حادث.
1 - الفخر الرازي، نهاية العقول في دراية الأصول، (223/ 1 - 226)، ”بتصرُّف“.
465