مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٧١المبحث التاسع: المستوى العقلي
حدوث الكون من لا شيء. خلق الكون غير مشهود.
وسوف نسعى - بعون الله تعالى - قدر طوقنا إلى الإجابة عن كل هذه الاعتراضات التي سرناها، تنضي إليها ركائب الطلب، ونستقصي فيها الذرائع؛ بحيث إِنَّنا سنفرد تفريعا مستقلًا للإجابة عن كل فرد من أفرادها واحدًا تلو الآخر.
أولا: الاعتراضات السفسطائية باسم العلم التجريبي
(1) - رد نظرية الانفجار العظيم
فكرة وجود نقطة بداية للكون من الناحية الفلسفية مزعجة جدا للملاحدة الذين كانوا يتبنون أزليَّته، ويُنافحون بكل شراسة عن معتقدهم هذا، ولا شك أنَّ هذه الفكرة إن تمَّ تدعيمها من الناحية العلمية الإمبريقية (التَّجريبية) فإنَّ ذلك سيُشكل أكثر من مجرد إزعاج للملاحدة! إنَّها كارثةً بالنسبة إليهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ففكرة (أزليَّة الكون) - التي روبرت جاسترو لطالما دافعوا عنها - أصبحت كعارض من الآمال أخلف ودقه، وكسراب
بقيعة حسبوه - ردحًا من الدهر - حقيقة ناجزة حتى إذا جاؤوه لم يجدوه شيئًا!! ومن قرأ يومًا في تاريخ نظرية الانفجار العظيم - التي احتست كأس انتصار فكرة وجود بداية محدّدةٍ زمنيًّا للكون - يُدرِكُ بشكل سافر حجم السُّخط الذي أثارته هذه النظرية في نفوس الملاحدة، وما أجمل ذاك التعبير الذي صاغه روبرت جاسترو (1) Robert Jastrow) مصورًا الموقف الختامي الذي آلت إليه نظرية الانفجار العظيم بقوله: "تُختم القصَّةُ بالنسبة إلى العالم كجاثوم، لقد قطع جبال الجهل، وبينما هو في طريقه إلى القمة إذ به يُصادف مجموعةً من اللاهوتيين يبادرونه بالتهنئة والترحاب، فقد سبقوه - منذ قرون - إلى القِمَّة (2) إِنَّ نظرية الانفجار العظيم ليست عن الانفجار نفسه بل عما حدث بعده مباشرةً ويعود كلُّ ما نعرفه عن اللحظات الأولى التي أعقبت الانفجار الكوني إلى ما يُدعى بـ (نظريَّة التَّضخُم) والتي طرحها لأوّل مرَّةٍ عالِمُ
1 - فيزيائي وفلكي أمريكي (1925) - (2008 م)، كان أحد أبرز رواد الفضاء لدى وكالة ناسا من أهم كتبه: (العمالقة الحمر والأقزام البيضاء)، و (علم الفلك: مبادئه وحدوده)، و (الله وعلماء الفلك).
2 - Robert Jastrow، God and The Astronomers، P.156.
471