مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٨مناجزة الإلحاد
إذا لم يمكن لكما أن تتحدا بالشَّمس وهي مخلوقة فكيف بخالقها؟! ثم قال لهما: هل برهما حاسد ومتكبر؟ قالا: لا. هل يوجد فيكم الحسد والكبر والبغض؟ قالا: نعم. فقال بوذا: إذن؛ كيف يمكن لكما أن تتحدا ببرهما وطبيعتكما تُخالف طبيعته؟؟ “. وكذلك الرواية الأخرى التي تنقل حديثا دار بين بوذا وأحد علماء الهندوسية؛ إذ قال له بوذا: "هل رأيت برهما بعينك؟! بل هل من أسلافك من رأوه بأعينهم؟! فسكت الهندوسي). وكذلك ما يُنقل عنه أنه قال: "إنَّ المشايخ الذين يتكلمون عن الله وهم لم يروه وجهًا لوجه، كالعاشق الذي يذوب كمدًا وهو لا يعرف من هي حبيبته، أو كالذي يبني السُّلَّم وهو لا يدري أين يوجد القصر» (2). وقوله أيضًا عندما سُئل عن الآلهة: "إنَّ الآلهة أنفسهم لو كان لهم وجود لما كان في وسعهم أن يُجيبوا عن هذه المسائل (3)، وكذا موقفه المعهود والمستمر بعدم الخوض في الحديث عن الإله، فقد كان يمتنع عن الحديث عن الإله، ولا يذكره سلبًا أو إيجابًا).
وبناءً على مثل هذه النصوص فإنَّ بعض الباحثين في مجال الأديان كورالف إلنتون، وول ديورانت، وميرسيا إلياد، وأحمد شلبي، قد وضعوا بوذا في عداد الملحدين أو اللاأدريين، بينما وضعه آخرون في صفوف المؤمنين بوجود الله كغوستاف لوبون، وكارين آرمنسترونغ، وأبي زهرة، ومحمد الندوي، وهذا ما نُرجّحه ونميلُ إليه، والقرائن التي تشهد له كثيرة: (1) - المسلك الذي سلكه بوذا في الامتناع عن الخوض في تقرير الألوهية هو المسلك ذاته الذي سلكه في أمر النيرفانا مع كونها من دعائم البوذية.
(2) - نزعة بوذا الإنسانيَّة التي وَضَعت الإنسانَ وخَلاصَه قُطبًا لدائرة اهتمامه قد يترتب عليها ما يُرجّح تسليم بوذا بمألوه؛ إذ يُصبح الإنسانُ المتحرر الذي يُحقق الخلاص لنفسه كائنًا إلهيًّا أو متحدًا وَحدة الوجود).
(3) - عدم ورود نص صريح يُنكر فيه بوذا الألوهية (5).
1 - محمد الأعظمي، فصول في أديان الهند، ص (140 - 142). 2 - أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى، ص 162.
3 - عبد الله مصطفى، البوذية: تاريخها وعقائدها، ص 155.
- يُنظر: إبراهيم محمد الأديان الوضعية في مصادرها المقدسة، ص 140.
ه - مَن كَتَبَ عن إلحاد بوذا لم ينقل نصوصًا صريحة. (يُنظر على سبيل المثال: س. داميكا، سؤال جيد جواب جيد حول البوذية، ص 20). بل نجد من الباحثين من يلمح إلى رفض بوذا الطقوس وأساليب العبادة فقط دون الآلهة. (يُنظر: همايون كبير،
التراث الهندي، ص 76).
48