مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٨٣

المبحث التاسع: المستوى العقلي

ثمَّ نتقدم خطوةً أخرى إلى الأمام لنسأل: من أوجد القوانين؟! ومَن قننها؟! وهل يُمكن لها أن تخلق شيئًا من لا شيء؟! في هذه الخطوة الجوهرية تعود من جديد مسألة وجود العلل الأربع، فالمؤمنون عندما يتحدَّثون عن القوانين الطبيعية في قضية الحدوث فهم يُشيرون إلى الفاعل الموجد، قبل الإشارة إلى الفاعل المحرك، فيعتبرون الإله الخالق فاعلا موجدا، ويعتبرون القوانين الطبيعية فاعلا محركًا - مع اعترافهم بأنَّه لا مؤثر في الوجود سوى الله سواء بالإيجاد أو التحريك - بينما يعتقد الملحدون بأنّ وجود الفاعل المحرك يُغني عن وجود الفاعل الموجد!! عندما تقوم بتخطيط ملعب لكرة القدم، وترسم مقاساته ومعالمه، وتضع القوانين التي تحكم اللعبة قبل انطلاقتها، تكون أنت الفاعل الحقيقي وليس القوانين نفسها، بل قد كان في استطاعتك أن تضع القوانين حسب رغبتك! وإذا ما قمت بإنشاء الملعب دون أن تضع قوانين اللعبة، وتركت الأمر يسير على نحو عشوائي رهن طوارقه، فستظل - كذلك - أنت الذي أنشأت الملعب وأوجدته وليس العشوائية والطلاب في المدارس يسيرون وفق مناهج وقوانين مرسومةٍ سلفًا من قبل المدير أو المديرية العامة أو وزارة التعليم، وتلك القوانين عندما يتم الالتزام بها حرفيا ودون إخلال ولو بسيط بها - ولنفترض بأنَّ الطلاب عبارة عن آلات تنصاع تلقائيًا لما تُؤمر به - لا يعني ذلك مطلقا أنَّ المدير أو من قام بتقنين قوانين المدرسة غير موجود بمجرد كفاية

القوانين عمليا!

إنَّ افتراض وجود التعارض بين الفاعل الأوَّلي (الله) والفاعل الثانوي (القانون) وأنَّ وجود أحدهما ينفي - أو يلغي - وجود الآخر، هو الذي أوقع الملحد هنا في أفخاخ المغالطة المنطقية التي تُعرف بمغالطة (الفئة)، أو مغالطة الخطأ المقولي؛ ذلك لأنَّ (الله) هو تفسير لوجود الكون، و (القانون) هو وصف لوجود الكون، فأنت - مثلًا - عندما تتحدث عن عمل محرك سيارة من نوع (مرسيدس) فإنَّك ستصف القوانين التي تحكمه، وجودة المواد المصنوع منها، وقوته وكفاءة أدائه ومدى اعتماديته … لكنك لن تتحدث عن كارل بنز (Karl Benz) مؤسس شركة مرسيدس؛ لأنَّه غير موجود في المحرك، ولأنَّه لم يُطلب منك أن تفسر سبب وجود المحرك وقوانينه، بل أن تصف فقط وجوده وآلية عمله، مع أنَّ الفاعل الحقيقي الذي أوجد

المحرك وقنن قوانينه هو كارل بنز!

وأنت عندما تتفحص البناء المعقَّد وتُصعِد فيه نظرك فإنَّك - بلا شكّ - لن تجد المهندس قابعًا ومنكفئًا في إحدى زواياه أو بين تفاصيل طُوبه، وإنَّما ستجد آثار الهندسة وقوانينها. ولك

483