مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٨٤

مناجزة الإلحاد

أن تتخيَّل آتٍ يأتيك منكرًا وجودَ إسحاق نيوتن لمجرَّد عدم رؤيته إيَّاه في قوانين الحركة التي وضعها، أو لمجرد أنَّ معرفته بتلك القوانين تغنيه عن الإقرار بوجوده!

إنَّ بإمكان من قنَّنَ القوانين أن يقوم بتغييرها وإعادة ضبطها كيفما شاء؛ باعتباره الواضع الأول والأخير لها، فليس بمستنكر أن تلين له أعطافُ القوانين وتسلس له قياد أعنتها، وتلقى إليه مقاليدها، لكنَّنا إن افترضنا بأنَّ الكون نفسه هو من قام بتقنين قوانينه - وهذا قول غالط منطقيًّا - لَلَزِم من ذلك أن تكون سُلطة القوانين بيد الكون وتحت تصرفه، يقلبها كيفما أراد ووقتما شاء، ومن ثم فإنَّ الكون يحكم نفسه بنفسه وليس بقوانين مفروضة عليه، وهذا بعيد البعد كله عن إصابة مقاتل الحقيقة بلا مرية؛ فالقوانين مفروضة عليه من فوقه، وماله بذلك من قوة ولا يدان ولو افترض مفترض أن القوانين هي التي أوجدت نفسها بنفسها فإنَّ هذا الافتراض يلزم منه الدور المنطقي الممتنع، كما يلزم منه إمكان اجتماع النقيضين؛ باعتبار أن القوانين كانت موجودة في الوقت الذي كانت فيه معدومةً كما أنَّ القوانين نفسها محكومة بقانون آخر وهو قانون الانتظام والتكرار؛ أي إنَّ القوانين نفسها تتبع قانونًا قاهرا من فوقها! ومن الغرابة أن يعترف الملاحدة في موقف جدالي مختلف بأنَّ القوانين الطبيعية عمياء لا هدف لها أو لا غاية تحكمها، ويأتوك هاهنا ليجادلوا بأنَّ هذه القوانين العمياء هي من أوجدت الكون وتحكمت بخيوط مفاصله! أوليس العُميان بحاجةٍ إلى من يقودهم؟! فمن الذي يقود عجلة هذه القوانين العمياء إذن؟! ستجد بأنَّ إجابة الملحد عن هذا السُّؤال تتوسد الإعجاز الخارق للعادة! وهنا بالتحديد يظهر إيمان الملحد بالمعجزات الخارقة أكثر من إيمان المؤمن بها، وبالفعل فكثير من علماء الملاحدة يستخدمون أحيانًا مصطلح (المعجزة) كأن يقولوا مثلًا عن سيناريو ظاهرة حدوث الكون: ثم حدثت المعجزة!

ثانيا: الاعتراضات السفسطائية باسم العقل والمنطق

(1) - عدم انسجام نتيجة البرهان مع مقدماته

بينما يُرجعُ المؤمنون السبب الأوَّل لنشوء الكون وقوانينه إلى الله تعالى، يُصرُّ الملاحدة على إرجاعه إلى المادة ونشاطاتها، فلا يُوجد في ذهنهم شيء آخر غير المادة، وعلى هذا فهم متمسكون ببارق من المنى كذب برقُه، وبخيط باطل سوّل لهم أن يقولوا: إِنَّ السَّببَ الأول لحدوث الكون لا ينحصر في الإله الخالق، فأبواب الاحتمالات الأخرى مفتوحة على

484