مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٨٥

المبحث التاسع: المستوى العقلي

مصراعيها، وإنَّ نتيجة برهان الحُدوث لا تنسجم مع مقدماتها؛ إذ من الممكن أن يُركب على زوارق الاحتمال، ويُجدف فيها بمجداف الظَّن بأنَّ السَّبب الأول لحدوث الكون شيء آخر

غير الله

يقول ريتشارد دوكنز عن مثل هذه النتيجة البرهانية بأنها: "تعتمد على مبدأ التراجع الزمني، وتفترض الله لإنهاء الدوَّامة، الافتراض الذي لا مبرر له هنا هو أنَّ الله منيع عن الزَّمن، حتَّى لو أنَّنا سمحنا لأنفسنا بالتَّبجح بأي شعوذةٍ عبثية لإيجاد مُنه للتراجع الزمني (اللانهائي) وأعطيناه اسمًا ما - لأنَّنا ببساطة نحتاج واحدًا - فليس هناك أي إطلاقا لمنح هذا الذي أنهينا به التراجع الزمني أيا من المواصفات التي يتصف بها هذا الإله». وأنت ترى بأنَّ الاعتراض هنا ما هو إلا من أجل الاعتراض فقط، فهل يُوجد في مثل هذه الدعاوى ما يُحيلنا إلى محاكمة الأسباب الحقيقية المتصفة بالكفاية والضَّرورة؟ هل هناك عِلَّةٌ يُمكن أن تكون تامَّةً وضروريَّةً من غير الله تعالى؟! إن كان ثمَّة وجود لها فليأتِ الملاحدة بها؛ شرط أن تكون عِلَّةً تحمل في يدها حقائب الكفائة والضَّرورة والوجوب؛ إذ لا يُمكن عقلا أن يكون السبب الأوَّلُ محتاجًا إلى سبب قبله كما سبق بيانه! وعلى ما تقدم؛ يظهر أنَّ هذا الاعتراض اعتراض مضطرب المباني، قلقُ التراكيب، لا يرجع إلى محصول. وبالإمكان خلخلته بعدة مطارق منطقيَّةٍ لعلَّ أدناها متناولًا إلى اليد أن يُقال: - إِنَّ سبب هذا الاعتراض لا يعود في حقيقته إلى البرهان نفسه بقدر ما يعود إلى النموذج المعرفي الذي يتبناه، الملاحدة، فهم لما اختزلوا الوجودَ في المادَّة وحدها لا شريك لها كان اعتراضهم على أي برهان - مهما كانت قوته وجزالته - يثبت وجود شيء وراء تلك المادة! فالإشكال في النموذج المعرفي قبل كل شيء. - إِنَّ الدَّلالة العقلية - كما مرَّ آنفًا - تُوجِبُ أنْ يكون السَّببُ الأَوَّلُ سببًا حقيقيًّا، ولا يكون كذلك إلا بتعاليه عن طبيعة المعلول، فالمادة التي تكون سببًا لحدوث مادةٍ أُخرى لن تكون عِلَّةً حقيقيَّةً وإن اتَّصفت بالضَّرورة، وعلى هذا الحال فإنَّ العِلل ستتسلسل في الماضي إلى ما لا نهاية، وهذا محال!

- إنَّ برهان الحُدوث يتأسس على قاعدة حدوث الكون لا من شيء، وهذا الأمر يستدعي وجودَ مُحدِثٍ أزلي سابق لحدوث الكون، حيث إنَّ المادة لا تكون مادةً إلا بأبعاد الزمان

1 - ريتشارد دوكنز، وهم الإله، ص 79.

485