مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٨٧

المبحث التاسع: المستوى العقلي

هذه الظَّنُّ الإلحادي يبقى ظنَّا، بل أكثر من ذلك، فهو يتجرَّد عن الصواب، ويتجافى عن

مضاجع الحقيقة وما قيل في نقد الاعتراض السَّابق يُقال كذلك فيه، بالإضافة إلى الآتي: - كحُجَّة جدلية؛ فإنَّ الملاحدة أنفسهم يتوسلون بـ (فجوات العِلم، ويجترحون بكل صلافة مُغالطة (التوسل بالجهل)، فهم يعتقدون بأنَّ العِلم يستطيع أن يُفسر في المستقبل كل ما يعجز عن تفسيره في الحاضر؛ أي أنَّهم يُعلقون اعتراضهم على وجود الله بهذه الفجوة العلمية المزعومة.

- كحُجَّة جدلية أخرى؛ فإنَّ لسان حال الملاحدة يقول لـ (الصُّدفة): إياك نعبد وإياكِ نستعين. فكل ما جهلوا سببه فوَّضوا أمره إليها مباشرةً من غير بينة ولا سابق برهان، وكأنهم بذلك يزجرون غُراب الجهل عنهم ولم يدروا بأنَّ أمرهم هذا بحد ذاته هو حُكم نظري مُسمَّط وتطبيق عملي نافذ لمغالطة (التوسل بالجهل) كما لا يخفى على من تأمله جيدًا!

- إن حدوث الكون وانتقاله الخارق من وهدة العدم إلى ربوة الوجود يلزم منه وجود قوة كلية وإرادة مطلقة، والمادَّةُ المحدودة تفتقد هاتين السمتَين؛ لأنَّ القوَّة مفروضة عليها من خارجها عن طريق القوانين والقوانين نفسها لا تسبق وجود المادة، ومن ثم فلا يُمكن أن تكون هي السبب الأوّل، ولأنَّ هناك إرادةً واضحةً في عملية حدوث الكون، تتمثل - على الأقل - في تخصيص موعده، والمادة لا إرادة لها. لهذا فإنَّ برهان الحدوث برهان عقلي يستمد جزءًا من مقدماته من الحس والتجربة، فيفرض علينا لزامًا أن نخرج بنتيجة (وجود الله). فهو بهذا توسل بالمعطيات العقلية والمنطقية، وتوسل بالعِلم والمعرفة الضرورية لا الجهل أو إله الفجوات.

- إنَّ نتيجة البرهان أوصلتنا إلى الله اضطرارًا وليس اختيارًا، فالنعوت العقلية اللازمة للسبب الأول لا يُوجد لها موضوع غير الله، بل لا يُمكن أن يُوجَد! ولا ننسى بأنَّ الملاحدة أنفسهم لا يجدون مفرًا من قبضة هذه الضَّرورة المنطقيَّة، فكلُّ ما يفعلونه هو أن يؤمنوا بالسَّبب الأول لكن على أن يكون هذا السَّبب الأول شيئًا آخر غير الإله، فالمهم لديهم إزاحة الإيمان بالله من الطريق - رغم كونه الحقيقة اللائحة السهلة المجتنى - والإيمان بالتهاويم والتخيلات رغم سذاجة مبناها ووعورة الطريق إلى مبتغاها!

حادثا

بغير

- إنَّ برهان الحدوث يستبعد الاحتمالات المستحيلة، فالكون إما أن يكون سبب، وهذا مستحيل لا يقول به أحد، وإما أن يكون حادثًا بسبب، ولا يخلو حدوثه بسبب من أحد أمرين: أنْ يكون أحدَثَ نفسه بنفسه، وهذا مستحيل؛ لأنَّه استدلال دائري يُفضي

487