مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٨٩المبحث التاسع: المستوى العقلي
الثالث: لأنَّه يحتكم إلى القِدَم الزَّماني كعِلَّةٍ لنفي الحاجة إلى المُحدث، والصَّحيحُ أَنَّ العِلَّة هي مُطلق الافتقار، والذي يتجلى - هنا - في المسبوقية بالعدم الذاتي. ثمَّ إِنَّ الفرار من قبضة الحدوث الزماني لا يعني إلا الالتجاء إلى الحدوث الذاتي، فلو كان الحدوث الزماني غير صحيح، فإنَّ القول بالحُدوث الذَّاتي تفرضه الضرورة العقلية؛ هربًا من مخاليب التسلسل، والدور الممتنع، والترجيح من غير مُرجح).
(4) - اليقين العقلي لا يعني التحقق الواقعي في تجاعيد هذا الاعتراض علامة تشير إلى أنَّ اليقين العقلي - الناتج عن استحالة التسلسل وامتناع الدور المنطقي - الذي يُقودنا ضرورةً إلى الاعتراف بوجود الله لا يعني أنَّ الله وجود متحقق فعلا في الواقع، فاليقين العقلي شيء ووجود الله في الواقع شيء آخر!
إنَّ هذا الاعتراض يتضمن الإقرار بوجود اليقين العقلي على وجود الله، ثمَّ يُناقض نفسه باحتمال عدم تطابق هذا اليقين مع الواقع إنَّه يفرُّ من اليقين ويستعين بالظن والتخمين! فهل اليقين العقلي يتساوى مع الظَّن؟! بل كيف يُستساغ أن يترك اليقين من أجل سواد عيون الظَّن والتخمين؟! أم كيف نصل إلى اليقين العقلي في أمرٍ غير واقعي؟! ثم إذا كان مناط اليقين الله العقلي - وهو هنا وجود - غير متحقق في الواقع، فهل هذا الاعتراض نفسه متحقق في الواقع؟! وقبل ذلك هل هو اعتراض عقلي يقيني؟! إِنَّ كلَّ مقولة تعود على أصلها بالبطلان هي مقولة ساقطة، تُعارض أعجازها هواديها، ويدفع أوَّلُها آخرها.
ثالثا: الاعتراضات السفسطائية المحضة
(1) - حدوث الكون صُدفةً
يعترض الملحد على برهان الحدوث بالإمكان الرياضي والاحتمال العددي لأن يكون حُدوثُ الكون أمرًا تلقائيًا وضربًا من ضروب محاسن الصُّدَف ليس إلا! فما هي هذه الصدفة التي يخطب الملحد وُدَّها في كلّ مرَّة، ويُبادلها مشاعرَ التَّقديس والتقدير والاعتزاز؟! الأغلبُ في الظَّن هو أنَّ الملاحدة عندما يتحدَّثون عن الصدفة فهم يتقصدون من ذلك العِلَّة
الله عبر
1 - يُذكر أنَّ الفيلسوف الكبير ملا صدرا الشيرازي قد أشار إلى أنَّ القول بحدوث الكون مجمع عليه عند المؤمنين بوجود ا كل العصور، وأنَّ هناك سوء فهم لبعض مقالاتهم؛ بسبب غموضها. (يُنظر: ملا صدرا الشيرازي الحكمة المتعالية، 5/ 205 - 247).
489