مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٩٠

مناجزة الإلحاد

الغائيَّة لا العِلَّة، الفاعلة فالصُّدفة عندهم لا تعني عدم وجود السَّبب الفاعل، بل عدم وجود السبب الغائي (الواعي والهادف) ()، ولربما كان تقريبُ بعضهم لصورة معنى الصُّدفة مُؤذنا بهذا التصور، فقد تم تشبيه الصدفة بما تفعله أمواج البحر في صخور الشاطئ؛ إذ تعمل - أحيانا- على إحداث ترتيب معين فيها (2). ونحن نفهم من نحو هذا المثال أنَّ السبب الفاعل موجود ومُعترف به، وهو أمواج البحر التي كانت سببًا فاعلا في إحداث الترتيب، لكنَّ البحر لا يملك العِلَّةَ الغائية (الوعي والهدف)، ومن ثمَّ فإنَّ ما أحدثه من ترتيب سيخلع عليه حتما رداء (الصدفة). وإذا كان الملاحدة ينفون العِلل الغائيَّة الماورائية للزمهم نفي الصدفة؛ لأنَّ الصُّدفة نفسها نتيجة للبحث عن العِلَّة الغائية الماورائية (3)!

ولأجل ما تقدَّمَ فإنَّ الملاحدة يُؤمنون بقانون السَّبية، ويؤمنون باطراده وانبداحه، إلا أنَّ مشكلتهم مع هذا القانون تتفاقم فيما لو اقتادتهم ضرورتُهُ في نهاية المشوار إلى الاعتراف بوجود الله، وهذا منهم بمثابة الكيل بمكيالين واللعب على الحبلين، لذلك تراهم يوجهون سهام النَّقد إلى القانون، لا لأنَّهم لا يعملون وفق ما ترسمه مقتضياته، بل لأنَّ هذا القانون في مرحلةٍ ما سيجبرهم على الاعتراف بوجود الله وحينها تُدق طبول الحرب عليه، وتُكال الطعون في مصداقيته بكل أنواع المكاييل، ولو أدَّت بهم إلى الانزلاق في مهاوي السفسطة، والانغماس في مستنقعات التَّشوه العقلي، كانجرارهم نحو القول بتداعي المعاني وتعاقبها، وتسلسل العِلل المؤثرة إلى ما لا نهاية، ونعت العِلَّة الغائية بـ (الاتفاق)!

هناك عدة مستوياتٍ يُمكن إدراج الحديث عن الصدفة في رفوفها، لنا وقفة مع بعضها حين

سبب

1 - هذا من حيث العموم، وإلا فإنَّ هناك شرذمة من الملاحدة تزعم بأنَّ الشَّيء قد يحدث من غير مطلقًا، من أمثال كونتن سميث وبيتر أتكنز، الذين زعما بأنَّ الكون نشأ من العدم المحض (العدم بالمعنى الفلسفي هكذا بدون سبب!! وقد وجدنا مؤخَّرًا أحدهم ويُدعى محمد المزوغي ينص في كتابه المسمى (تحقيق ما للإلحاد من مقولة، ص 367) على: "أنَّ طفرات الكوانتم ليس لها عِلَّة!!

2 - التشبيه مأخوذ من مقدمة مصطفى إبراهيم فهمي لكتاب (ريتشارد دوكنز، أعظم استعراض فوق الأرض، ص 13). واستشهد به دوكينز في كتابه (صانع الساعات الأعمى). لقد تفطَّن غير واحدٍ من الفلاسفة والمفكرين إلى قضيَّة تحرير معنى الصُّدفة عند الملاحدة، وأنها نفي للغائيَّة لا الفاعلية. يُنظر على سبيل المثال: مرتضى المطهري، التوحيد، ص 84 - 88). 3 - يظهر عند التحقيق أنَّ الاعتقاد بـ (الصدفة) لا يُعارض في الحقيقة وجود العِلَّة الغائية - أو بالأحرى لا ينفيها - بل يصفها، فكأنَّ الملاحدة يقولون: إنَّ العِلَّة الغائيَّة لحدوث الكون هي الصدفة. وهذه نقطة مفصليَّةً، ومهمَّة، فقد ظنَّ الملاحدة بأنَّ القول بـ (الصدفة) يجعلهم يفرون من مصيدة العِلَّة الغائية حتَّى لا يُلزموا أنفسهم بوجود الغاية والهدف؛ لأنَّ وجودهما يُصدّع الأسس التي تقوم عليها منظومتهم بأكملها والمقصود منه أنَّ الاعتقاد بـ (الصدفة) لا يخرق القاعدة الفلسفية (لكل فعل غاية)، وأنَّ ما يخرق هذه إنكار العِلَّة الغائية لا القول بـ (الصُّدفة)، لكنَّ إنكار العِلَّة الغائيَّة أمرُ دونه خرط القتاد، ولا ينال إلا بعرق القربة!

القاعدة

هو

هذا هو

490