مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٩١

المبحث التاسع: المستوى العقلي

يحين موعد الحديث عن برهان النَّظم، أما حديثنا عنها هنا فسيقتصر على تقويض بنيانها من حيثيات عقلية ومنطقية تخص برهان الحُدوث بالذات، وسنضع في حسباننا - تحرُّزًا - أنَّ الصدفة قد يُراد منها انعدام العِلَّة الفاعلة - لأنَّ هذا هو لازمها النهائي هنا) - وقد يُراد منها انعدام العِلَّة الغائية، وفيما يلي نجد ضالة ذلك:

(1) - إِنَّ الصُّدفة مجرد تصور ذهني، فلا يُوجد في الخارج شيء مُجسَّد اسمه (الصدفة) له كيان معين ومُحدّد أو له إرادةٌ فاعلة وعاقلة؛ أي أنَّ الصُّدفة مجرد وصف نصف به بعض الحوادث التي تواقعها. وبناءً عليه؛ كيف يكون هذا الوصف الذهني - الذي لا وجود له في الخارج - سببًا يُعتد به في حدوث أمر عظيم كالكون؟! (2) - إنَّ معنى الصُّدفة - حسَبَ الوضع - هو حدوتُ الشَّيء بلا قانون مُسبق، أو حدوثه بالندرة على خلاف السَّائد المعهود، إلا أنَّ الملاحدة يمتطون صهوة الصُّدفة - دون أن يشعروا - وكأَنَّها قانون صارم من قوانين الطَّبيعة المنتظمة، فهم يُفسرون بها لحظات حدوث الكون التي توافقت فيها عدة قوانين دفعةً واحدةً وبمنتهى الدقة والإتقان، وبنسق منتظم لا نظير له! وهم بهذا بين مأزمَيْن؛ إما أن يقولوا: إنَّ الصُّدفة في حدوث الكون عبارة عن قانون طبيعي نحتنا له اسم (الصُّدفة). وإما أن يقولوا: إنَّها عبارة عن قانون طبيعي مجهول. وكلا القولين يُؤديان إلى النتيجة نفسها، وهي إثبات وجود قانون ما، ومن ثم انتفاء اء وجود الصدفة!

(3) - إنَّ الصُّدفة لا تحدث إلا في الزَّمان والمكان، وفي لحظة - نقول (لحظة) مع أنه لم تكن هنالك لحظة بعد - حُدوثِ الكون لا وجود للزمان والمكان، فكيف يكون وجود الأثر (الكون) سابقًا على وجود المؤثر (الصُّدفة)؟!

(4) - إنَّ الصُّدفة لا تحدث إلا بوجود المادة، فالمادة هي المحلُّ المُهيَّأ لحدوثها، والكون نشأ لا من شيء (اللامادة)، فكيف يستقيم هذا مع القول بالصدفة؟! (5) - إِنَّ الصُّدفة في حقيقتها جهل بالأسباب، فكلُّ ما جهل الملاحدة سببه ولم يجدوا له موئلا غير الله نسبوه إلى (الصُّدفة) من غير دليل ولا برهان، نابه لكن الضربة القاصمة لهذا الزَّعم تأتي من تشارلز داروين حيث اعترف - مُكرها تحت سُلطان الأمانة العلمية المعهودة

1 - الاعتقاد بـ (الصدفة) فيما يخص الحدوث يختلف عن الاعتقاد بها فيما يخصُّ النَّظم، فلازم الاعتقاد بها في الحدوث يجرُّنا في النهاية إلى نفي العلة الفاعلة عن طريق ادعاء التسلسل، وقد سبق القول بأنَّ التسلسل يلزم منه في النهاية نفي العلة الفاعلة الحقيقية؛ إذ تُصبح كلُّ المعلولات المتسلسلة وسطاً دون طرف!

491