مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٩٢مناجزة الإلحاد
عنه - قائلًا: "وغالبًا ما نسبنا حدوثها إلى الصُّدفة، على أنَّ كلمة (الصدفة) هنا خطأ محض يدلُّ على اعترافنا بالجهل المطلق وقصورنا عن معرفة السبب في حدوث كل تحول بذاته يطرأ على الأحياء). ومن أجل هذه الحقيقة الفاقعة صاغ الفلاسفةُ مقولتهم الذائعة: "لا يقول بالاتفاق -. أي بالصدفة - إلا جاهل الأسباب“.
(1)
(6) - إِنَّ الصُّدفة أمر نسبي، فما تراه أنت صدفة - لجهلك - قد لا يراه غيرك صدفة - لعلمه - فلو أنَّ مديرًا أمر أحد موظفيه بزيارة منطقة ما لمهمة عمل عاجلة، وأمر موظفا آخر من قسم مختلف بزيارة المنطقة ذاتها، وكان هذا الموظف صديقًا قديمًا للموظف الأوَّل، فحدث لقاء بينهما بـ (الصدفة)؛ إذ لم يكن لقاؤهما مطروحًا أو معلومًا أو متوقعًا، فهذا اللقاء بالنسبة إلى الموظفين حدث بالصُّدفة لكنَّه كان معلومًا ولم يكن صدفة بالنسبة إلى المدير.
(7) - إنَّ برهان الحدوث يُؤكد - بشكل رئيس - وجود العِلَّة الفاعلة الحقيقية، بينما الصدفة في أفضل الأحوال تتوجه إلى العِلَّة الغائيَّة، فلو صحت لانصب الاعتراض بها في مصب وجود (الغاية) من حدوث الكون لا وجود (الفاعل الحقيقي له. ومن هنا فالاعتراض بـ (الصدفة) بعيد عن محل البرهان!
(8) - إنَّ الصُّدفة في الحقيقة لا تخرج عن قانون السببية، بل تعمل وفق ما ترسمه ريشته، فعندما تُحدِثُ أمواج البحر ترتيبًا معينًا في الصُّخور فإنَّ ذلك لم يحدث بمحض الصدفة؛ إذ إنَّ سرعة أمواج البحر، ومقدارها، وقوانين الجاذبية ونوعية الرمال، وعدم عودة الأمواج من جديدٍ إلى موضع الرَّسم لمحوه، كلها بمجموعها تُعتبر عوامل سببيَّةً لولا وجودها لما وُجِدَ التَّرتيب الموصوف بـ (الصدفة)!
(9) - ما هو البرهان العقلي أو العلمي على أنَّ الصُّدفة هي سبب حدوث الكون؟! مع العلم بأنَّ قانون الانتخاب الكوني - إن صح - متأخر عن لحظة الانفجار الكوني، فالحدوث منوط بالابتداء لا بما يحدث معه أو بعده!
(10) - هل تستطيع الصُّدفة أنْ تُفسر انتظام عمل القوى الأربع في الدقائق الثلاث الأولى من لحظة حدوث الكون؟! وهل تستطيع أنْ تُفسّر حدوث هذه القوى فضلًا عن اجتماعها وانتظامها
ودقة عملها؟!
1 - تشارلز داروين، أصل الأنواع، ص 193.
492