مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٩٤

مناجزة الإلحاد

يبدو عجيبًا لا يُمكن أن يحدث … والخلق من العدم) أمر لم يره أحد، وإذن؛ فليس من مُبررٍ للظَّن بأنَّ العالم من صُنْع خالق يُرجّح ما يُبرر الظَّنَّ بأنَّه غير ذي عِلَّة، فهما يتعارضان على سواء بقوانين العِليَّة التي نستطيع مشاهدتها (2).

أن

يبدو أن

حجم المغالطات هنا هائل جدا!! ففي البداية هناك زعم فائل طائش بأن الاعتقاد بقدرة الكون على أن يخلق نفسه اعتقاد صحيح يُطبّق مفاصل الصَّواب، ويصيب أكباد الحقيقة، ومن ثمَّ فلا يُوجَد ما يُبرر رفضه! إِنَّ العِلم الحديث قد كفانا مؤنة البحث عن هذا المبرر، فقد قضى بأنَّ للكون نقطة بداية، ثمَّ إنَّ العقل والمنطق - كما سبق بيانه - يقضيان ببطلان الاعتقاد بأنَّ الكون

قد خلق نفسه بنفسه، فيا عجبًا كيف يُقال بعدم وجود مُبررٍ لرفض هذا الاعتقاد المتهافت! إن من أكبر التناقضات في كلام برتراند راسل السَّابق هو رفضه لوجود خالق للكون؛ بحجة أنَّ خلق الكون من عدم أمر لم يره أحد، بينما يقبل الخلق التلقائي للكون ويتجاهل أنه هو الآخر أمر لم يره أحدٌ أيضًا. نعم؛ هو يزعم بأنَّ الخلق من العدم كالخلق التلقائي يتعارضان مع قوانين العليَّة التي تشاهدها. لكن هذا الزَّعم زعم غالط بالمرَّة، ففرضية (الخلق التلقائي) وحدها من تتعارض مع قوانين العِليَّة - طبعًا بجانب أنَّها أصبحت من الماضي بعد أن حطمها العِلمُ الحديث بأخفافه عقب التجارب التي أجراها العالم الفرنسي لويس باستور ووضعه لنظرية تخمر الجراثيم - لأنَّها تعتقد بإمكان حدوث الشَّيء من غير سبب، وهذا هدم واضع لقانون العلية، بينما حدوث الكون يقتضي وجود محدث له (لكل حادثٍ مُحدِثُ) وهذا هو عين

قانون العلية (3)

لقد حاول برتراند راسل - في نصه السَّابق - أن يُوهم القارئ بأنَّ عمليَّة خَلْقِ الكون لنفسه.

هي

1 - العدم لا يُنتج شيئًا؛ لذلك نقول: (إنَّ الكون خُلِقَ لا من شيء). ولا نقول: (إِنَّ الكون خُلِقَ مِن لا شيء، أو خُلِقَ مِن عدم). 2 - برتراند راسل، النظرة العلمية، ص 109.

3 - هناك الكثير من المفاهيم الفلسفية التي لم تنضجها نار الفلسفة الغربية جيدا، ومن بينها مفهومي: (التَّعقُل) و (التَّصوُّر). وهذا ما يظهر جليا في كلام برتراند راسل أعلاه! فـ (التَّعقُل يقودنا ضرورةً إلى كرسي الاعتراف بوجود محدث أحدث الكون لا من شيء، وعدم جواز أن يحدث شيء من غير محدثٍ له. بينما يقودنا (التصور) إلى العجز عن رسم صورة ذهنية لحدوث الشَّيء لا من شيء، وهذا أمر مفروغ منه في الفلسفة الإسلامية. خذ مثلا: الجسيمات التي تخترق سرعتها سرعة الضوء، فالبراهين العقلية الرياضية (التَّعقُل) تحكم بوجودها في الوقت الذي لا نستطيع فيه أن نتصوّرها؛ إذ لم نشاهد شيئًا أسرع من الضوء، ولا يُمكننا إدراك ذلك إن حصل! وخذ مثلا: عدد ذبذبات الصوت، والتي تُقدَّر بنصف مليون ذبذبة في الثانية الواحدة، هذه الذبذبات استطاع العقل أن يتعقلها، لكنَّه عجز عن أن يتصوّرها. والخلاصة: إن عدم إمكان تصور الشَّيء لا يعني عدم تعقله، كما لا يعني

عدم وجوده.

494