مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٩٥

المبحث التاسع: المستوى العقلي

عمليَّةً عجيبة، وأنَّه لا يُوجَد قانون في الطبيعة يمنع حدوث العجائب! فما أشدَّ رسوخ إيمانك العجائبي يا راسل إنَّ العقل السليم والمنطقَ القويم ليفرّان من هذه المقولة وما شاكلها فرار الصحيح من المجذوم، بل ولو احتسى أحدهم خمرة الدنيا عن آخرها لاحرنجم عن وصف عمليَّة خَلْقِ الكون لنفسه بأنَّها من قبيل العجائب الممكنة! فكيف يخلق (اللاشيء) نفسه!؟! كيف نفترض أن غير الموجود أوجد نفسه في حال كونه غير موجود؟! هذا لعمرك افتراض ذو كسرات وهزرات تطيش سهامه عن مرامي الحقيقة (دور) ممتنع + اجتماع للنَّقيضين)! إنّنا أمام أبشع عمليات نحر العقل وحزّ غلاصم المنطق!

إنَّ ضرورة وجود خالق للكون ليست ضرورةً تجريبيَّةً أو حسيَّةً لكي يُشترط فيها الرؤية أو التجربة، فقانون السببية هو الذي قضى بوجود الخالق، وأينما وُجِدَ الحدثُ وُجِدَ المحدِثُ (لكل معلول عِلَّة، سواء أكنا موجودين لحظة الحدث أم لم نكن، فقانون السببية قانون عقلي فلسفي وليس قانونًا تجريبيا حسيًّا. وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل عدم رؤيتنا للحظة حدوث الكون عدم وجود خالق له؟! هل عدم رؤيتك للحظة طباعة هذا الكتاب الذي بين يديك= عدم وجود كاتب له؟!

من الجيد - هنا - إحالة النَّظر إلى تبديد هالات الاستقراء العلمي، فليست كل معارفنا العلمية الطَّبيعيَّة استقرائية المصدر، فعلى سبيل المثال: بداية تكون الأرض ليست استقرائيةً بطبيعتها؛ لأنَّنا لم نشاهدها، وكذلك أصل الحياة أيضًا لا يُمكن مقارنته؛ لأنَّنا لا نعرف إلا حياةً واحدة، بل إنَّ الأحداث التَّاريخيَّة التي نُؤمن بها لم تقم على المنهج الاستقرائي؛ إذ هي غير قابلة للإعادة والتجربة والتكرار، فهل يعني هذا عدم وجود عِلَّةٍ لهذه الأحداث!؟! ماذا بعد هذه الاعتراضات؟! بعد الإرباسات والإرباكات التي خال الملاحدة لوهلة بأنها ستأتي على قواعد برهان الحدوث فتنقضها تبيَّن أنَّهم قد نُكسوا على رؤوسهم، وفشلوا فشلا ذريعا، وجروا وراءهم أذيال الخيبة والحسرة، لكن السجال معهم حول برهان الحدوث مستمر، ولن يقف عند هذا الحد مكتفيا بدرء الاعتراضات أو صد طنينها، بل سيتجاوز ذلك إلى المبادرة بسبك قوالب الكر والأخذ، فالمحصلة الإلحادية بلغت من الضَّعف والهشاشة مبلغًا لا يُنكره إلا من يُنظر إليه بشطور العيون، أو من لا يُرفع له رأس!

495