مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٠٠مناجزة الإلحاد
وتنبه هنا إلى أنَّ وجود المعطيات التَّجريبية التي تدعم تقسيم الموجودات إلى الممكن والواجب، لا يعني بحال من الأحوال أنَّ البرهنة على تقسيم الموجودات على نحو الإمكان والوجوب هي برهنة حسيَّةً تجريبية، بل هي برهنة تستدعيها الضرورة العقلية، بحيث يُعد إنكار ذلك تناقضا مع ضرورات العقل السليم وقواعد المنطق القويم، فإنَّك غير مستطيع أن تظفر بشيء يخرج عن هذين التقسيمين للوجود! وعليه؛ فإنَّ الموجودات إما أن تكون ممكنةً بأجمعها، وإما أن تكون واجبةً بأجمعها، وإما أنْ يُوجد منها ما هو ممكن وما هو واجب، فإن كانت ممكنةً بأجمعها لزم التسلسل؛ لاحتياجها إلى العِلَّةِ النهائية الواجبة، والتّسلسل محال، أو لزم الدور الممتنع؛ لتوقف وجود كل فرد منها على الآخر، والدَّور محال، وإن كانت واجبةً بأجمعها أو واجبةً بوجوب بعض مصاديقها فهذا
يُجاب عنه لاحقا في موضع نقد الاعتراضات الموجهة إلى برهان الإمكان.
برهان الإمكان والمعطى العلمي
نود أن نقرر أن لا وَشِيجَةَ آكدةً بين برهان الإمكان والمعطيات العلمية؛ لأنَّ دائرة الأوّل عقليَّةً مطلقة، ودائرة الثَّاني تجريبية ضيقة، كما أنَّ دائرة الأوَّل يقينيَّةٌ ثابتة، ودائرة الثَّاني ظنيَّةٌ متأرجحة، فلا يُمكن أن يُوجد خط تعارض وتصادم بين الدائرتين إلا بالولوج في دهاليز المراء والسفسطة، أو بالعزف على أوتار الوهم والتوهم، أو باستجلاب معاليق الجهل والتوسل بها، ولكن مع هذا يبقى للمعطيات العلميَّة ما يشهد بضرورةِ التَّقسيم الذي أسقطه برهان الإمكان على كل الموجودات، وذلك من خلال بحث العِلم عن أسباب الظواهر الطبيعية، وإرجاع كل ظاهرة منها إلى المُمكِّن الذي مكَّن من وجودها كإرجاع كل الحيواتِ إلى الخلية البدائية الأوَّليَّة، وإرجاع كل الذرات والطاقات إلى المفردة الأوَّليَّة، وإلى هنا ينتهي دورُ المُعطى العلمي - الحالي - الذي أكد صفة الإمكان في هذه الموجودات، وهو عين المطلوب منه، إذ لا يستطيع إلا أن يُؤكد وجود الممكنات ممكنا بعد ممكن؛ لأنَّ الوجوب يُبحث عنه فلسفيا فقط، ولا حظ للمعطيات العلميَّة فيه إلا بنسج خيوطٍ متينة تكون بمثابة المقدمات المبدئية التي ستصطادُ بها الفلسفة طرائدها. وإذا ما حاولنا النُّزول قليلا إلى ساحة المعطيات العِلميَّة لنقرأها متواضعين بين يدي برهان الإمكان؛ فيبدو أنَّ كلام عالم الفيزياء الإنجليزي بول ديفيز قد يُسعفنا - وإن كان عليه بعض المآخذ الفلسفية خصوصا تلك التي تتبناها مدرسة الحكمة المتعالية - بقوله: "يُقال إنَّ هذه
500