مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥١٠

مناجزة الإلحاد

(3) - الإقرار بالممكن راجع إلى محدوديتنا

في هذا الاعتراض من مقدار سوء الفهم لمعنى الإمكان ما لا يخفى على من فقه معناه جيدا كما ألمعنا إليه سابقا - فبعض الملاحدة يتوهمون بأنَّ محدودية حواسنا وأدواتنا وعدم قدرتنا على إدراك الموجودات على حقيقتها هو ما يُرغمنا على قبول الإمكان، بينما لو أدركناها على حقيقتها وبكل أبعادها التي لا نصل إليها فإنَّنا سنرفض وصفها بالإمكان!

هذا الاعتراضُ يتخطى حقيقة الإمكان ويروغ عنها، ويجعل من مفهوم الإمكان - وهو المفهوم العقلي الذاتي - مفهومًا حسيًّا عَرَضيَّا، وقد اعتدنا من فلاسفة الإلحاد الكبار - كديفيد هيوم وهربرت سبنسر و برتراند راسل الذين نخرت المادية عظامهم واستحوذت على تفكيرهم - على مشاهدة الكثير من حلقات مسلسل إساءة فهم البراهين العقلية وتغليب جانب الحسيات عليها، فالإمكان يعتمد على مُسلَّمة الافتقار إلى العِلَّة الواجبة لا على تخمين ما قد يترتب على الاستناد إلى المحدوديَّة، وإن كان لهذه المحدودية يد في تعميق معنى الإمكان، فإنَّه لا سُلطان لها في تقرير ضرورات المعقول! ثمَّ إنَّك لو بلوتَ هذا الاعتراض وقلبته بطئًا لظهر لانكشف لك فيه نمط من أنماط المغالطات المنطقيَّة، والذي يتجلى بكل جسارة في الاحتكام إلى الجهل، فلو كانت حواسنا غير محدودة فهل سنُدرك حقًّا أَنَّ الكون واجب الوجود وليس بممكن؟! هل هذه يقينيَّةً من اليقينيات؟! إنَّ الحكم على الكون بالإمكان لم يكن مأتاه قط محدودية حواسنا وعجز أدواتنا، بل يكفي في تقرير ذلك التقسيم العقلي الضَّروري ولا بأس بالاستئناس ببعض الشواهد الحسية التي تشهد على عدم وجوب الكون، ثم يأتي التعميم العقلي ليُلقي بظلاله الوارفة ويُدلي بكلمته الأخيرة: (الكون مُمكن ليس بواجب).

ثانيا: الاعتراضات على المقدمة الثانية

تقوم المقدمة الثانية لبرهان الإمكان والوجوب على قانون السببية، فـ (لكل ممكن ممكن). والاعتراض على هذه المقدمة = الاعتراض على قانون السببية نفسه؛ لذا لن نطيل في سرد نقودات الاعتراضات المصوَّبة باتجاه هذه المقدمة، وسنكتفي بالإشارة العاجلة إليها على النحو الآتي:

510