مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥١١(1) - سبب الكون هو نفسه
المبحث التاسع: المستوى العقلي
هذا الاعتراض مكرور، وقد سبق - في حديثنا عن برهان الحدوث - تبيان تهافته و بطلانه وحَقَّ القولُ عليه بأنَّه استدلال دائري باطل، فهو بهذا لا يثبت على النقد والشبك، ومن الجلي بأنَّه اعتراض لم تتوله نية صادقة، ولم يُرزق حظه من التثبت.
لكن فيما يتعلق ببرهان الإمكان على وجه الخصوص، فمن الممكن إضافة نقطة أخرى تخصُّ هذا الاعتراض، حيث إنَّ معنى الوجوب يتحقَّقُ بانعدام حاجة الموصوف به إلى عِلَّة، فإن كان محتاجًا إليها سواء من خارجه أو من نفسه - كما يقول هذا الاعتراض - فهو ممكن الوجود؛ لاحتياجه إلى عِلَّة، فإن اعتُرِضَ على ذلك بوجود الله الذي لا يحتاج إلى عِلَّة؛ أُجيب عنه بأنَّ الله لا يُوصف بأنَّه سببُ نفسه. فإن قيل بأنَّ الكون كذلك لا يُوصف بأنه سبب نفسه، قلنا إذن؛ سقط اعتراضكم بأنَّ الكون هو سبب نفسه ويبقى إشكالكم في اختصاص الله تعالى بوصف (واجب الوجود) مُعلَّقا إلى محل آخر سيأتي لاحقا.
(2) - الكون نشأ بالصدفة
هذا الاعتراض مكرورُ أيضًا، وسبق الكشف عن ضحالته وهزالته، فليرجع إلى محله. ولكن لا بأس من إضافة جزئية طريفة تتعلق ببرهان الإمكان تحديدًا، وهي أن الاعتراض بنشوء الكون عن طريق الصدفة هو إقرار بحاجته إلى شيء ما يُسمَّى بـ (الصُّدفة)، سواء تعلقت تلك الحاجة بالفعل أو بالغاية، فكلا التَّعلُّقين بمثابة الحاجة، وكل حاجة هي افتقار ونقص، وما كان شأنه كذلك فإنَّه يظل حبيسا في معاقل الإمكان ولن يتبوأ في مراقي الوجوب أي مكانةٍ تُذكر.
(3) - الكون نشأ بلا سبب
تطرقنا فيما سبق إلى الإجابة عن هذا الاعتراض الذي لا يخلو من حزازة واعتساف، فلا حاجة إلى الإعادة مع التنبيه على أنَّ القول بنشوء الكون من غير سبب يحمل في ذاته الإجابة عن الاعتراض! فالشّيء الذي ينشأ) لم يكن ناشئًا قبل ذلك؛ أي لم يكن له وجود، ومن ثم فهو ممكن الوجود، وهذا التوصيف اللغوي للكون النشوء والحدوث والإمكان) لم يكن بسبب القصور اللغوي، بل بسبب الامتناع العقلي والمنطقي عن تقبل ما يُخالف هذا التوصيف المتقرر، شعر الملاحدة بهذا أم لم يشعروا.
511