مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥١٢

مناجزة الإلحاد

ثالثا: الاعتراضات على المقدمة الثالثة

المقدمة الثالثة لبرهان الإمكان (سلسلةُ العِلل الممكنة لا بُدَّ أن تنتهي إلى واجب الوجود) تلقت عددًا من الاعتراضات، وتدور كلُّها حول قانون السَّببيَّة الذي تعرض مستوى التنظير له عند بعض فلاسفة الغرب لثغرات خطيرةٍ كان لها أثرها البارز في التعاطي مع البراهين العقلية. ولعل التقودات التي تقدم بها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت حول قانون السببية تُمثّل خير دليل على تلك الثغرات الناتجة عن عدم الإلمام بكل أطراف القضيَّة، فقد ركب كانت من هذا الأمر قُحمةً منيعةً لمَّا ظنَّ بأنَّ الاحتكام إلى السببية في قضيَّة إثبات وجود الله يُعتبر من باب التناظر (Analogy) وقياس الشاهد على الغائب، وما ذاك إلا لأنَّه - في ظنَّه - قانون محدود بالعِلل الطَّبيعيَّة دون الماورائية. كما توهم كانت بأنَّه لا سبيل إلى إدراك الحد الأول الذي يقف عنده تسلسلُ العِلَل)، وكأنَّ إدراك الحد الأوّل حسَبَ مخيلته جسر لا يُعبر وكنف لا يُوطَأ!!

لقد سبق الغوص في بعض تفصيلات قانون السببية وقانون امتناع التسلسل، وذلك في المدخل الذي عقدناه في بداية هذا المبحث لكننا ارتأينا تخصيص الحديث هنا عن الاعتراضين الموجهين إلى المقدمة الثَّالثة؛ للإلماع إلى عِدَّة أمور سيجدها القارئ في الشطور القليلة الآتية:

(1) - قياس الشاهد على الغائب

يزعم

هذا الاعتراض بأنَّ أحكام قانون السببية تسري في أوردة العالم الطبيعي فقط دون العالم الماورائي، وأنَّه لا يحق لنا أن نقيس ما تشاهده من ضرورة احتياج الأشياء الطبيعية لعِللها على الأشياء الماورائية التي لا تشاهدها!

إنَّ هذا الاعتراض مبتعد عن جادة الصَّواب، ويدلُّ دلالة واضحةً على سوء فهم طوية المقدمة الثَّالثة للبرهان؛ لأنَّ الأساس المتين الذي تتوكَّأُ عليه هذه المقدمة هو العقل والمنطق لا الحس والتَّجريب؛ بمعنى أنَّها مقدمةً عقليَّةً فلسفيَّةٌ نابعة من صميم قانون السببية، فـ (كل معلول له عِلَّة). ومنشأ سوء الفهم هذا راجع إلى الاعتقاد المغلوط بأنَّ قانون السببية هو قانون حسي تجريبي وليس قانونًا عقليًّا مُطَّرِدًا.

من الواجب الالتفات إلى قضيَّة استغناء القوانين العقلية عن التجربة والتمثيل، وهذا أمر

1 - يُنظر: محمود، زيدان کنط و فلسفته النظرية، ص 335.

512