مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥١٣

المبحث التاسع: المستوى العقلي

يسير الإدراك يقع على حبل الذراع وطَرَف التمام فعندما نقول: (لكل معلول عِلَّة). فإنَّنا نُصدِرُ تعميما عقليًا يأتيك على اغتماض يشمل المعلولَ الطَّبيعي وغيره؛ ذلك لأنَّ أبسط قواعد المنطق تقول: إنَّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد. فجميع المعلولات تشترك في المعلولية وإن اختلفت في الصفات الأخرى - كأن تكون طبيعيةً أو ما ورائيَّةً - واشتراكها في المعلولية هو مناط التعميم العقلي بلزوم وجود عِلَّةٍ لها.

يقول علامة المنطق محمد رضا المظفر: "والتغاير على ثلاثة أنواع: التماثل، والتخالف، والتقابل. لأنَّ المتغايرين إما أن يُراعى فيهما اشتراكهما في حقيقة واحدة: فهما (المثلان). وإما ألا ي يُراعى ذلك سواء كانا مشتركين بالفعل في حقيقة واحدة أو لم يكونا. وعلى هذا التقدير الثاني - أي تقدير عدم المراعاة - فإن كانا من المعاني التي لا يُمكن اجتماعهما في محلّ واحدٍ من جهةٍ واحدةٍ في زمان، واحد بأن كان بينهما تنافر وتعاند: فهما (المتقابلان). وإلا فهما: (المتخالفان). وهذا يحتاج إلى شيء من التوضيح؛ فنقول: (المثلان): هما المشتركان في حقيقةٍ واحدةٍ بما هما مشتركان؛ أي لوحِظَ واعتبر اشتراكهما فيها كـ (محمد) و (جعفر) اسمين لشخصين مشتركين في الإنسانية بما هما مشتركان فيها، وكـ (الإنسان) و (الفرس) باعتبار اشتراكهما في الحيوانية. وإلا فمحمد وجعفر من حيث خصوصية ذاتيهما مع قطع النظر عمَّا اشتركا فيه هما متخالفان … وكذا الإنسان والفرس هما متخالفان بما هما إنسان وفرس

(1)

إذن؛ قانون السببية ليس قانونًا حسيًّا تجريبيا، ومن ثم فهو لا يستند في تعميماته إلى التجربة والتمثيل، بل هو يجرُّ ذيل الاغتناء مبتعدا عنهما، فلو سمعت صوتًا يأتيك من خلف الجدار لا تعلم مصدره، بل ولا تعلم إن كان صادرًا من إنسانٍ أو حيوان أو أي شيء آخر، فإنَّك ستحكم بطبيعة الحال بوجود من أصدر ذلكم الصوت؛ بحكم قانون السببية (لكل حدث سبب، فبالرغم من أنَّك لم تستطع تصور مصدر الصوت ولربما تكون قد سمعته لأول مرة في حياتك لكنَّك لن تحكم - قطعا - بأنَّه لا سبب له!

نعم؛ فجهلنا وعدم معرفتنا بالمعلول غير الطبيعي لا يعني أبدا أنَّه لا عِلَّة له - وعدم العِلم ليس علمًا بالعدم - فلو شاهدنا في كوكب بعيد عنا - أو في كون آخر إن أمكن ذلك - آلةً عجيبةً

1 - محمد رضا المظفر، المنطق، ص 46.

513