مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥١٤مناجزة الإلحاد
متقنة
الصُّنع، فإنَّنا سنعلم يقينًا بأنَّ لها صانعًا صنعها ومُتقِنًا أتقنها، مع أننا قد نجهل كُنه ذلك الصَّانع. إنَّ قياس الشاهد على الغائب في الأمور العقليَّة المحضة أمر بدهي متسالم عليه عند العقلاء جميعًا، فهو بهذا بعيد عن معترك الظَّن، وبنجوة عن مرتع الشك والوهم، فالعلية والشرط من حيث إنَّها ضرورات عقليَّةٌ محضة لا تختلف شهادةً وغيابًا، فهي في الشاهد تماما كما. في الغائب.
(2) - جواز تسلسل العلل
هي
لا يوجد داع لإعادة سرد الأدلة التي تؤيد قانون امتناع التسلسل في العلل المؤثرة، فهذا القانون بدهي فطري لا يحتاج إلى البرهنة عليه، فبمجرد التأمل فيه - بعيدًا عما يُمكن تسميته بموانع أسباب التَّوجه) - يكفيك لأن تعتقد يقينًا بحقيقته.
رابعا: الاعتراضات على نتيجة البرهان
نتيجة برهان الإمكان إثبات وجود واجب الوجود توجّهت إليها سهام النقد بكثرة، لكن كثرة النقد لا تغني من الحق شيئًا، فالحق له معيار مستقل لا يُقاس بالكثرة، وما من حقيقة إلا وتجد مَن يُماحك فيها، فما من طريقِ باطل إلا وقد سلكه بعض الناس. وإذا ما أتينا على ذكر الاعتراضات الموجهة إلى نتيجة برهان الإمكان سنجدها مُشرعةً ضد المحصلات التي تفرزها ضروراتُ القوانين العقليَّة قبل أي شيء آخر، وما ذاك إلا لأنَّ وجوه الأمر استبهمت هنا على المعترضين، وغام عنهم أفقها … وحتَّى لا نطيل في التقديم لهذه الاعتراضات نشرع في استعراضها مباشرةً كالآتي:
(1) - عدم وجود واجب الوجود من الأساس
يقتضي هذا الاعتراضُ أن ترتمي جميع الموجودات في أحضان الإمكان وحده؛ إذ إنَّ هذا الاقتضاء هو المخوَّلُ الوحيد لإقصاء وجود (واجب الوجود) من مسارح الوجود، فبعد أن دعوى وجوب وجود جميع الموجودات، جاءت هذه الدعوى التي يتوهم أصحابها
أُسقطت
1 - تنحصر (أسباب التَّوجه) في أمور خمسة: الأول: التَّيقظ والانتباه، فالغافل قد تخفى عليه الواضحات. الثاني: سلامة الذهن، فإنَّ سقيم الذهن قد يشك في أظهر الأمور. الثَّالث: سلامة الحواس، فإنَّ الأعمى - مثلا - يفقد كثيرًا من العلم بالمنظورات. الرابع: فقدان الشبهة التي تعني تأليف الذهن دليلًا فاسدًا يُناقض بدهيَّةً ما ويغفل عما في الدليل من المغالطة، فيشك بتلك البديهة أو يعتقد بعدمها. الخامس: عمليَّة غير عقليَّة لكثير من البديهيَّات، كالتَّجربة في التجريبيَّات، فإذا احتاج الإنسان للعلم بشيء إلى تجربة طويلة وعناء عملي لا يجعله ذلك علمًا نظريًّا ما دام لا يحتاج إلى الفكر والعمليَّة العقليَّة. (يُنظر: محمد المظفر، المنطق، ص 22).
514