مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥١٥

المبحث التاسع: المستوى العقلي

إمكان جميع الموجودات دون أن يكون بينها واجب وجود واحد. وسنفترض - مبدئيا - صحة هذه الدعوى، ثم سنقوم باختبار تماسكها وصلابتها على أرضية الحقيقة، واختبار قدرتها على الصمود أمام أسلات النقد العقلي.

بدايةً، فإنَّ الاعتقاد بضرورة وجود واجب الوجود ليس من باب تحصيل الحاصل، أو من باب الترف العقلي، وليس بلهينةً أو بذخًا منطقيا زائدا عن الحاجة، فوجوده ضروري وحتمي، وعدمه ممتنع ومحال؛ لأنَّ الموجودات بأسرها ممكنة الوجود - لازم هذا الاعتراض - وهي بهذا لا تملك أمر نفسها، ولا تملك سبب وجودها ولكننا نرى وجودها متحققا بالفعل!! إذن؛ لا بد من وجود عِلَّةٍ أوجدتها، وهذه العِلَّةُ بدورها إما أنْ تتسلسل إلى ما لا نهاية، وهذا محال، وإما أن تقف عند واجب الوجود، وهو المطلوب، فثبت وجود واجب الوجود، وإلا لما تحقق وجود الممكنات كلها. ثمَّ إنَّ الاعتقاد بوجود واجب الوجود ليس مقتصرًا على ضرورة انقطاع سلسلة العلل المؤثرة؛ لأنَّ مناط الاعتقاد بوجوده يتَّجه مباشرةً إلى الافتقار الوجودي المتحقق يقينًا في الممكنات، ولا يتَّجه إلى شيءٍ آخر، فالنَّظر إلى الممكنات بتمعن ورويَّةٍ يقودُ النَّظر العقلي تلقائيا إلى إثبات افتقار الممكنات إلى عِلَّةٍ خارجةٍ عن أُطر الإمكان ومغايرة لها؛ إذ لا يُمكن أن تُوجد الممكناتُ نفسها من العدم، فلزم وجود واجب الوجود الذي أفاض عليها من سوابغ وجوده.

(2) - واجب الوجود هو المادة

نعم؛ في هذا الاعتراض بالذات دليل على أنَّ المؤمنين والملاحدة قد ساروا على الخُطوات العقلية في تقسيم الموجودات إلى (الممكن) و (واجب الوجود)، لكنَّهم وصلوا إلى مفترق طرق، فاختلفوا في تعيين واجب الوجود الذي تنقطع به حلقاتُ التّسلسل، والذي هو بنجوة عن الشك، وبعيد عن معترك الظُّنون، فالمؤمنون اعتقدوا بأنَّ واجب الوجود هو (الله)، بينما اعتقد الملاحدة بأنَّه (المادَّة)، فأيُّ الفريقين أحقُّ بالحقيقة؟! إنَّ معنى واجب الوجود - كما مر - هو الشَّيء الذي لا يحتاج إلى عِلَّةٍ لوجوده، ثمَّ لم يسبقه عدم قط، ولم يلحقه نقص وحاجة وافتقار، فهل المادة التي جاءت لا من شيء، ونشأت من اللازمان واللامكان) - لاحظ بأنَّ المادة لا يُقال عنها مادَّة إلا بوجود الزمان والمكان - ولها عمر محدود وعدد محسوب ومقدر، تكون واجبة الوجود مع كل هذه الصفات التي تضج بالفقر والنقص والاحتياج؟! والجواب أنَّ