مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥١٨مناجزة الإلحاد
يحتج بالاحتمالات والمجهولات كأن يقول: قد يكون، وربَّما يكون، ومن المحتمل … إلخ. وهو عندما يحتج بمثل هذه الاحتمالات والتخمينات يضرب في أودية الحدس، ويأخذ في شعاب التَّكهن، ولا يُقدم دليلًا عليها سوى دليل الاحتمال نفسه!
(1)
(1) - تعدد واجب الوجود)
هنا يطلُّ التناقض برأسه من جديد؛ فبعد التَّشغيب بنفى واجب الوجود من أساسه ينتقل بعض الملاحدة إلى العزف على وتر (تعدُّد) واجب الوجود نعم، واجب وجود واحد أحد لا يكفي، فلا بد من تعدد وعموما هذا الاعتراض ليس بجديد، فهو اعتراض قديم جدا، وقد أشبعه الفلاسفة المسلمون نقدًا وتفنيدًا، وقد كرُّوا عليه بقواطع البرهان فمزقوا حنادسه، وبددوا دياجيه. ولنا أنْ نُقرّر من خلال ما تحمله مضامين هذا الاعتراض إثبات وجود واجب الوجود؛ إذ لو لم يثبت وجوده لما قيل بتعدد مصاديقه وبناءً عليه؛ فإنَّ النَّقد سيكون على النحو الآتي: (1) - لقد حكمنا على كل الموجودات بـ (الإمكان)، وثبتت لدينا ضرورة وجود واجب الوجود
فما هو البرهان الذي يستند إليه هذا الاعتراض؟ ما الدليل على تعددِ واجب الوجود؟! (2) - لا بُدَّ من فرض تمايز بين وجود واجب الوجود الأول والثاني والثالث … إلخ؛ إذ إنَّ عدم التمايز يقتضي وجودًا واحدًا لا غير، ولكن التمايز هو الآخر يقتضي وجود حد فاصل بين المتمايزين، والمحدود ناقص وعاجز، فيستحيل بهذا أن يكون هو واجب الوجود!
(3) - لا بُدَّ من فرض اشتراك واختلاف بين واجب الوجود الأول والثاني والثَّالث … إلخ، فإمَّا أن يكونوا مشتركين في كل شيء، وإما أن يكونوا مشتركين في بعض الأشياء، ولا يصح أن يُقال بأنَّهم لا يشتركون في شيء؛ لأنَّهم يشتركون في وجوب الوجود حسب الاعتراض نفسه، وعلى هذا؛ فإنَّ اشتراكهم أو اختلافهم يقتضي أن يكون كلُّ واحدٍ منهم مُركَّبًا، والمُركَّب محتاج إلى أجزائه التي يتركب منها، والمحتاج لا يقال له: واجب الوجود!
(4) - إنَّ الواجب تكون ماهيَّته وجوده، ولا يُمكن أن تكون مختلفة عن وجوده؛ لأنَّ هذا يقتضي التركيب كذلك، وقد مرّ ما للتركيب من نقص يتنافى مع صفة (واجب الوجود)، فتبيَّنَ بهذا أنَّ الوجودَ واحدٌ لا كثرة فيه، وأنَّ الكثرة تلحق الماهيات فقط.
1 - يُعرفُ هذا الاعتراض بـ (شبهة ابن كمونة). (ينظر: عبدالجبار الرفاعي، مبادئ الفلسفة الإسلامية، (2/ 340 - 343).
518