مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٢مناجزة الإلحاد
إطلالة على الشرق
الأقصى القديم
وإذا حثثنا المطايا وانتقلنا شرقًا إلى بلاد الصين بلاد الحكمة المجنونة - كما تُسمى - عندما يتعلق الأمرُ بالتَّعامل مع فلسفتها؛ فحالها في الغموض والإبهام ليس بأقل من حال شقيقتها فلسفة الهند، حيث يتموّج المعنى في كل سطرٍ من سطورها، ويعسر على الفهم أن يضع يده على المراد، فكأنَّما هو شعرة ضاعت وسط عجين، وصدق من قال: "إنَّ البلاء موكَّل بالمنطق“! الصين القديمة كانت إمبراطوريَّةَ الشَّعائر والطقوس، وقد أشارت أُولى كتاباتها إلى أنَّ السمات الأصيلة لحضارتها ركزت على تقديس الأسلاف، وأطلقت رهانًا على طبيعة الإنسان الخيّرة وفق المفهوم الكونفوشيوسي الذي دخل بعمق في وجدان الشعب الصيني، إلى جانب الفلسفة الكونفوشيوسية التي أدت دورًا محوريا في بناء فلسفة الحكم وعلاقة الأرضي بالسَّماوي، والإمبراطور ابن السَّماء بالآلهة، والحاكم بالمحكوم. وانتعشت بالتّوازي مع ذلك فلسفات ذات طابع صوفي طقوسي كالطاوية والبوذية، فتولى الفيلسوف تبليغ رسالة السَّماء ورسالة الأسلاف إلى الصينيين بمعزل عن هاجس تطوير المفاهيم أو تقديم منظومات فكرية متتالية على النمط الأوروبي، وهذا ما عبر عنه كونفوشيوس حين قال: "أنا أبلغ من دون أن أخلق شيئًا جديدًا". وحين قرأ أغلبية الأوروبيين الفكر الصيني بعيون غربيَّةٍ وجدوا فيه نوعا من التكرار الذي يفتقر إلى الإبداع، وحاروا عند تصنيفه ما إذا كان فكرًا أم فلسفة فالفيلسوف الصيني لا يُبدع مفاهيم جديدة، بل أقصى ما يطمح إليه هو التناغم مع مقولات الأجداد والأسلاف، انطلاقا من تناغم الأرضي مع السَّماوي.
إنَّ الفلسفة في الصين لم تتجافَ عن الدين ولم تنأ بنفسها عنه أو تثني له عطفها، بل تلاقيا وتلاقحا، وسار الدين مع الفلسفة على طريق واحد كعاشقَيْن مُتيَّمين)، ولقد أخذَ منا
1 - يُنظر: مسعود ضاهر، كتب، وقراءات تاريخ الفكر الصيني، ص (1 - 5).
2 - يُنظر: عبد العزيز حمدي، تاريخ تطور الفكر الصيني، ص 14.
52