مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٣المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
العجبُ كلَّ مأخذ عندما وجدنا ول ديورانت وغيره يتهمون كونفوشيوس (Confucius) بـ (اللاأدرية)؛ بحجةٍ لا تثبت أمام النقد، فقد قال عنه ديورانت: "ولما كانت النزعة المسيطرة على كونفوشيوس هي تطبيق مبادئ الفلسفة على السلوك وعلى الحكم فقد كان يتجنَّب البحث فيما وراء الطبيعة، ويُحاول أن يصرف عقول أتباعه عن كل الأمور الغامضة أو
كونفوشيوس
الأمور السَّماوية)، صحيح أنَّ ذكر السَّماء والصَّلاة كان يَرِدُ على لسانه أتباعه بألا يغفلوا عن الطقوس والمراسم التقليدية في عبادة الأسلاف
أحيانًا، وأنَّه كان ينصح والقرابين القومية، ولكنَّه كان إذا وُجّه إليه سؤال فى أمور الدين أجاب إجابةً سلبيةً جعلت شراح آرائه المحدثين يُجمعون على أن يضمُّوه إلى طائفة (اللاأدريين)، فلما سأله (تزه-كونج) مثلا: هل لدى الأموات علم بشيء أو هل هم بغير علم؟ أبى أن يُجيب جوابًا صريحًا! ولما سأله (كي- لو) عن خدمة الأرواح - أرواح الموتى - أجابه: إذا كنتَ عاجزا عن خدمة النَّاس فكيف تستطيع أن تخدم أرواحهم؟! ولما سأله (كي- لو): هل أجرؤ على أن أسألك عن الموت؟ أجابه: إذا كنت لا تعرف الحياة فكيف يتسنّى لك أن تعرف شيئًا عن الموت!؟ ولما سأله (فارشي) عن ماهية الحكمة قال له: إذا حرصت على أداء واجبك نحو الناس، وبعدت كل
البعد عن الكائنات الروحية مع احترامك إياها أمكن أن تُسمي هذه حكمة (3). وكما ترى فإنَّ هذه النصوص لا تبرر مطلقًا الاعتقاد بـ (لا أدريَّة) كونفوشيوس، فأرنيها نَمِرةً أُركها مطرة!! ويبدو أنَّ ديورانت لم يراع الفوارق الثقافية؛ فحلَّل مضامين الثقافة (الشرق آسيوية) بعقلية الثقافة الغربية؛ وشتّان بين مشرقِ ومُغرب! إِنَّ هذه النصوص على أسوأ تقدير تشي بشيءٍ من (اللاأدريَّة) أو (الربوبية) لولا أنَّ هذا التقدير يصطدم بصخرة الكونفوشيوسية والتي هي - كما هو معلوم - ديانة تعبديَّةً لها طقوسها وشعائرها، فقد كان كونفوشيوس يُؤمن بوجود إله حكيم يحكم الكون بتدبيره وإرادته، ولكنَّه مع ذلك ترك الجانب العقدي، واتَّجه إلى الجانب مع.
1 - هو واحد من أكبر معلمي العالم القديم، وأشهر حكماء عالم شرقي آسيا - وخاصة الصين واليابان وكوريا وفيتنام - والمنظر السياسي الأول في إمبراطوريات الصين القديمة، وصاحب أقوى تأثير في المجتمعات الآسيوية الشرقية منذ القرن الثاني قبل الميلاد، وإليه تنسب المدرسة الكونفوشيوسية، وهي مدرسة تربوية من أكبر المدارس في العالم. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - عرفت الصين الدين والتدين والعبادة قبل كونفوشيوس، ولعل الصينيين هم من أقدم الأقوام الذين عرفوا عبادة (شانغ تي)؛ أي الإله الواحد. (يُنظر: سعدون السَّاموك، موسوعة الأديان والمعتقدات القديمة، ص 123).
- ول ديورانت قصة الحضارة، (53/ 4)، بتصرف.
4 - يُنظر: جفري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 229.
53