مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٢١المبحث التاسع: المستوى العقلي
ومعنى النظم - المراد هنا خصيصى - هو الترابط والانسجام والتناسق والوئام بين أجزاء الكون للوصول إلى غايةٍ مُحدَّدة، وكأنَّ هذه الأجزاء بأجمعها قد أبرمت صفقة، أو عقدت اتفاقا مع كل أفرادها على تحقيق تلك الغاية المُحدَّدة؛ لتكون النتيجة النهائية: هذا الكون الذي تشاهد عظمته وشموقه، في الوقت الذي نشاهد فيه - بالتوازي - جماله واختياله.
إِنَّ هذا الكون يحتوي على كم هائل من منسوب الجمال في جزئياته المختلفة، ويحتوي على الجمال كله في كليته كوحدة محكومة بالسنن والقوانين الدقيقة، وما هو - والأمثلة تقصر عن نقل الصورة كما يجب - إلا كمزرعة تحوي ما لذ وطاب من أصناف المزروعات المختلفة، تُسقى بطريقةٍ هندسية منظمة، فإن تأمَّلت تلك الأشجار يَشدَهُك حسنها، فمرَّةً تقع عينك على نخلة، والنخل ما بين أصفر وأحمر وأخضر، ومرَّةً تقع عينك على فاكهة ما بين رمان وعنب وزيتون وخوخ وتفاح ولوز وجوز، ومرَّةً تقع على زهرة ما بين ريحانة ووردة ونرجسة وياسمينة وبنفسجة، فإذا ما حوّلت ناظريك وقعت على ساقيةٍ شُيّدت بدقة متناهية، وبطريقة هندسية عبقرية دالة على حُسن تخطيط وجمال تنفيذ.
لا شك أنَّ كلَّ جزئيَّةٍ من هذه الجزئيات قادرة على شد الانتباه ولفت النظر، إلا أنَّك إذا تأمَّلت هذه الصُّورة الكلية للمزرعة من عل فإنَّك ستُدرِك جمال المشهد بطريقة أخرى أشد وقعا في النفس؛ لما تراه من جمالٍ في الجزئيات المختلفة، ولما تراه من جمال في إحكام الصلة والربط بين هذه الجزئيات المتناثرة، ومنه ستحكم - بلا أدنى تردُّدٍ - أَنَّ وراء هذا النَّظم مُنظم، ووراء هذه الدقة شخص حصيف خبير دقيق، فكيف بهذا الكون بأرضه وسمائه وما يشتملان عليه، بما فيهما مما علمنا، وذاك ممَّا لا نعلمه ممَّا تتكشف عنه الأيام يوما فيوما!
تخيل أنك صادفت في طريقك بعض الحجارة المعدة للبناء، وبإزائها كميات من الحديد والإسمنت والرّمل، ثمَّ أشحت بوجهك عنها وواصلت سيرك، وبعد مضي فترة من الزمن وجدت منزلاً جميلا يقبعُ في المكان ذاته إنَّك ساعتها ستعلم يقينًا بأنَّ تلك الأجزاء المفردة من قبيل الحجارة والحديد والإسمنت والرّمل قد انتظمت بفعل فاعل وفق حسابات هندسية واعيَّةٍ مقصودة وهادفة، ولن تتشكك لحظةً في علمك اليقيني هذا. فيا تُرى كيف ستكون الحالُ فيما لو زعم زاعم بأنَّ هذا المنزل ظهر بالصدفة، أو بضربة حطّ عارض، أو خبط عشواء؟! لا شك أنَّ العقول السَّليمة تلفظ مثل هذه المزاعم وتتجافى عنها.
521