مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٢٤مناجزة الإلحاد
ساخرًا، ولاذ إلى الصَّمت والتأمل من جديد ثمَّ ثاب إلى رشده قائلا: الحمد لله أنَّها بندقة
وليست بطيخة!!
إنَّ الجيوش المؤلهة من الفلاسفة والمتكلمين قد أفاضوا - منذ القدم - في حديثهم عن الكون وما يشتمل عليه من شياتِ الجمال والنظم والإحكام التي تؤكد جميعها على وجود خالق الكون ومديره، وقد عبروا عن ذلك كله بطُرُقِ برهانيَّةٍ متعددةٍ تختلف من فيلسوف إلى آخر؛ تبعًا لاختلاف النافذة التي ينظر منها والزَّاوية التي يرنو إليها، وتبعًا لمقدار العلم المتحصل لديه، والقوة العقليَّة الممجّصة للمعلوم المتحصل عليه، وتختلف - وهذا أمر مهم جدًّا - تبعًا لطبيعة الطريق التي سلكها لروم غايته في الوصول إلى مقصوده ومبتغاه، فلا شك أنَّ الطريق التي يسلكها المتصوفة والمتواجدون تحوي معالم غير تلك التي تحتوي عليها طريق علماء الطبيعة، وطريق هؤلاء - أي علماء الطَّبيعة - تحوي معالم غير تلك التي يسلكها عُشاق الفلسفة العقلية المحضة وهكذا. ونلفت الانتباه إلى أنَّ اختلاف تلك الطرق - المذكورة آنفا - إنَّما هو اختلاف ثراء لا اختلاف تضاد، اختلاف فسيفسائي يُشكّل لوحةً هائمةً في الحُسن موغلة في الجمال، معرقةً في الإبداع، فبقدر اختلافها في مسلكها يكون اجتماعها في غايتها، ومن هذا المنطلق شاع عن الإلهيين من المتكلمين والفلاسفة والعارفين قولهم: "إِنَّ الطُّرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق". نافلة القول أن يُقال: إنَّ تلك البراهين منها ما هو سلوكي صوفي على طريقة أهل الكشف، ومنها ما هو فلسفي محض، ومنها ما يتوسل بالعِلم والمحسوسات، وهذا الطريق على الحقيقة لا يخلو من النَّفحة الفلسفية؛ لأنَّ الجمال اللائح عبر صفحة الوجود المرصود بأدق الأجهزة الحديثة يفقد قيمته عند مجنون لا يُقدّر الجمال، ولا يعطي الأشياء قيمتها، وإنَّما يثبت الجمال ويُعرف ما له من القدر عند أولئك العقلاء، ومنه فلا محيص من إمرار المحسوسات ومسحها بأشعة العقل الكاشفة للخلوص إلى الدلالات الكامنة وراءها، وهنا يمكن تسمية هذا المسلك بالمسلك (الحس عقلي).
ومن
لقد كان برهان النظم وما زال عقبةً كؤودًا في طريق المعترضين، تقصر عنه أبواعهم، ويفوت مبلغ ذرعهم، مما دفع الفيزيائي الشَّهير ستيفن هوكنج إلى القول: "الحقيقة الواضحة بخصوص الثوابت الكونية تؤكد على أنَّها صُمّمت بعنايةٍ تُتيح الحياة وبمنتهى الضبط المدهش». وهو
1 - ستيفن هوكنج، موجز تاريخ الزمن، ص 125.
524