مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٢٥

المبحث التاسع: المستوى العقلي

ذاته الذي دفع البيولوجي الملحد ريتشارد دوكنز في أحد اللقاءات المصورة وفي محضر مجموعة من الملاحدة إلى الاعتراف بأنَّ هذا البرهان من أعوص وأضلع ما يُواجه الملاحدة. وما تلك البساطة الأسرة التي تترافق مع برهان النَّظم إلا في كونه ظاهرا لائحا على صفحات هذا الوجود من الذرة إلى المجرَّة، يستوي العالم والجاهل في تملّي صفحة جماله، والاستغراق في مطالعة لوحة تناغمه وانسجامه يستوي في هذا كله رجل القرن الحادي والعشرين مع رجل القرن الأول مع رجل ما قبل الميلاد، يستوي فيه ذاك العاكف في قبته - مع تلسكوبه الدقيق - مع ذاك الحامل لمنجله ومحراثه في حقله المتواضع، يستوي في لحظه وإدراك مضمونه الفلاسفة الكبار - إن صدقوا في بحثهم وتجرَّدوا من حظوظ نفوسهم - مع ذاك البدوي البسيط الذي حَمَلَهُ لخظ البرهان على أن يقول: "البعرة تدلُّ على البعير، والأثر يدلُّ على المسير، فكيف بسماءٍ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلُّ على اللطيف الخبير"!

يُوجد في أبواب (نظرية المعرفة) مصدرٌ مُحكم من مصادر المعرفة، وهو التعرف على الآية عن طريق الآية نفسها، أو ما يُسمَّى بـ (البرهان الآيوي، وهو مصدر مختلف عن التمثيل والتجربة، ففي التمثيل والتجربة نتوصل إلى معرفة الحكم الكلي من إسراء حكم الشَّيء المجرَّب إلى الأفراد التي تقع في عرضه، فهي إذن معرفة حاصلة من الوقوف على الأفراد الكائنة في عرض واحد، وإسراء الحكم من بعضها إلى بعض. وأما المعرفة عن طريق الآيات فتكون معرفة عميقة، بمعنى أنَّنا نتوصل من رؤية الآية إلى معرفة الفاعل وخصوصيَّاته، وإنَّ الاهتداء إلى المؤثر من وجود الأثر هو لمن هذا القبيل، فالإنسان يعرف المؤثر من الوقوف على أثره، كما أنَّ الاهتداء إلى صفات المؤثر من خصوصيَّات الأثر هو أيضًا من هذا القبيل، وبرهان النظم من هذا القسم.

وينبغي أن نعلم بأنَّ (معرفة الآية عن طريق الآية) على قسمين:

الأول: ما ينتقل فيه الإنسانُ من معرفة الآية إلى معرفة صاحبها، وتكون الآية وصاحبها كلاهما من الأمور الطَّبيعية القابلة للحس، وإن كان أحدهما محسوسًا بالفعل (وهو الآية)،

والآخر غائبًا عن الحس (وهو صاحب الآية) وإن كان يُمكن أن يقع في أُفق الحس.

الثَّاني:

: ما ينتقل فيه الإنسانُ من مشاهدة الأمور الحسيَّة إلى أمور غير حسيَّةٍ خارجة عن إطار المادة وآثارها. وبعبارة أخرى: إنَّ الإنسان في هذا النوع من المعرفة يستدل بما يرى على

525