مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٥٢٦مناجزة الإلحاد
ما لا يرى من غير فرق بين أن يكون غير المرئي من الأمور الحسيَّة الغائبة عن الحس، أو من الأمور المجرَّدة الخارجة عن إطار الحس مطلقًا. والحكم بصحة الاستدلال بما يرى على ما لا يرى من الأمور الحسيَّة الغائبة عن الحس يستلزم الحكم بصحة الاستدلال بما يرى على ما لا يرى من الأمور المجرَّدة الغائبة عن نطاق الحس؛ وذلك لعدم وجود الفرق بين الأمرين من جهة الاستدلال.
وإليك نموذجين على معرفة المؤثر بالأثر:
(1) - ليس بيننا من عاصر الرومان واليونان وعايشهم واحتك بهم، لكننا جميعًا تذعن بوجودهم التاريخي؛ للأطلال والآثار الباقية التي خلفوها. فهذا النموذج هو من نوع الاستدلال
بما يُرى من الأمور الحسيَّة على ما لا يُرى من الأمور الحسية الغائبة عن الإدراك الفعلي. (2) - ليس منا من قابل المتنبي أو ابن سينا وجهًا لوجه، لكننا إذا وقفنا على ديوان المتنبي أو الشفاء لابن سينا وتعرفنا على ما فيهما من خصوصيَّاتٍ شعريَّةٍ أو فلسفيَّةٍ أدركنا فورًا أَنَّ الأَوَّل كان شاعرًا والثاني فيلسوفًا. وهذا النموذج هو من نوع الاستدلال بما يُرى من الأمور الحسية على ما لا يُرى من الأمور غير الحسية الغائبة عنا (1). ولا غرو بعد كل هذا أن تلهج ألسنةُ الشُّعراء، وتفيض قرائِحهم بما ينسجمون به مع كائنات الوجود وذراته بمثل قول أبي العتاهية:
فَيا عَجَبًا كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وتسكينة
أبدًا
شاهد
كُلّ شـ له آية تدل على أنه الواحد (2)
والله في كُلِّ تَحريكة
الاستدلالُ بالنَّظم
يقوم بنيان الاستدلال بالنظم على ثلاثة أُسس:
الأول: وجود أجزاء مختلفة ومتنوعة لكل جزء منها وظيفة محددة يقوم بتأديتها. وهنا: بالنظر إلى تفاريق الأجزاء المختلفة المصمَّمة في النظام الكوني - بعيدًا عن وحدتها
1 - جعفر السبحاني، الله خالق الكون، ص (279 - 281)، بتصرف.
2 - ديوان أبي العتاهية، قصيدة: (كلنا بائد)، ص 122.
526