مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٢٧

المبحث التاسع: المستوى العقلي

الجميعة في كل مترابط - نصل إلى حقيقةٍ لا مفر منها ألا وهي أنَّ لهذه الأجزاء مُوجِدًا حكيمًا أوجدها بعد أن لم تكن.

الثاني: وجود رابطة تناسقيَّةٍ تنتظم فيها تلك الأجزاء المختلفة والمتنوعة.

وهنا: تقرب الصُّورة أكثر للحظ دقة التناسق والتَّرابط القائم بين هذه الأجزاء؛ ليضعنا لحظنا هذا أمام حقيقة أخرى مؤسسة على الحقيقة في الأساس الأوَّل ألا وهي أنَّ وراء هذه العظمة في التنسيق عظيم، ووراء هذه الدقة في الربط خبير، فاسحةً الطريق لنا لاكتشاف صفاتٍ غير يسيرة من صفات الموجد الذي لحظنا موجوداته كما هو في الأساس الأول.

لقد قدمت مبرهنة كورت جودل الثَّانية برهانًا رياضيًا على أنَّ الإنسان لا يستطيع استخدام الرياضيات - التي نصف بها انتظام الكون - دون أن يُؤمن باتساقها؛ ولهذا نقول: إن لم تُؤمِن بانتظام الكون فإنَّه لا يُمكنك استخدام قوانينه ولا يُمكنك فهمه وتوصيفه. وكما يقول الفيزيائي بول ديفيز فإنَّ مجرد شروق الشمس كل يوم في حياتنا لا يُعطي ضمانةً أنَّها ستشرق كلَّ يوم، فالإيمان بأنَّها ستشرق - أي الإيمان بوجود نظامِ حاكم - هو مجرَّد إيمان، لكن هذا الإيمان لا مفر منه لاستمرار تقدم العلم. وإذا كان استمرارُ العِلم واجبًا فإنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). الثالث: وجود غائيَّة وقصدية من نوع ما فالأجزاء المختلفة والمتنوعة إذا ما اجتمعت على شيءٍ وأحدث اجتماعها نتيجةً معيَّنةً ومفهومة دلّ ذلك على الغائية والقصدية.

وهنا: هاتان (الهدفيَّة الغائيَّة) هما نتاج استجلاء عظمة التَّناسق وجمال الترابط القائم بين أجزاء النظام الكوني الملحوظ عبر الأساس الثَّاني، والذي يستحيل أن يكون نتاج فعل صادف أو عشوائي يخبط في عماءٍ وعلى غير بيّنةٍ وهُدى ثمَّ إِنَّ قابلية الكون للفهم والإدراك العقلي لن تجد مبررًا منطقيا إلا بالإيمان بوجود المنظم الحكيم، وستفقد هذه القابلية منطقيتها إذا ما أُسندت إلى الصدفة والطبيعة العمياء.

كما أنَّ الاستدلال بالنظم على وجود الله يستند إلى ثلاث دعائم، وباجتماع هذه الدعائم تتمخَضُ النتيجة المرجوة والمبتغاة، وهي إثبات وجود المنظم:

الدعامة الأولى: (السببية). والتي تفرض - بالضَّرورة العقلية - وجود صانع لكل صنعة، ووجود مُحدِثٍ لكل حادث. فلا بُدَّ إذن - والحال هذه - من وجود مُنظم لكل مُنظَّم. وتجدر

527