مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٢٨

مناجزة الإلحاد

الإشارة إلى أنَّ الملاحدة أنفسهم يُقرون بضرورة وجود منظم لكل منظم، وإنَّما نقطة الخلاف الجوهري هي في تحديد كُنه هذا (المنظم)، أهو الله، أم الصدفة، أم المادة!

الدعامة الثانية: (الحس). والذي يؤكد وجودَ مظاهر النظم في الكون، فالمشاهدات والملحوظات تقف في صف النظم.

الدعامة الثالثة: (المنطق). والذي يمنع أن تكون مظاهرُ النَّظم في هذا الكون راجعةً إلى ذاتٍ غير فاعلة ومختارةٍ وواعيةٍ وعليمة، كالصدفة أو المادة العشوائية. إنَّ استيعاب هذه الدعائم ضروري جدًّا لاستنتاج أنَّ برهان النظم ليس برهانا حسيا كما توهم ذلك الكثيرون - وعلى رأسهم ديفيد هيوم - بل هو برهان عقلي - وإن كان يستند إلى مقدمةٍ حسيَّة - لأنَّ العمود الفقري الذي ينتصب به هو قانون السببية العقلي، ومن طبيعة القوانين العقلية أن تتّسم بالعموم والاطراد، فإذا رأيت في طريقك بيتًا يحترق - لا سمح

الله -

قاطعًا فإنَّك ستجزم بوجود سبب ما يقف وراء احتراقه - بحكم تعميمك لقانون السببية - ولا يُشترط أن تكون عالمًا بمقاسات البيت أو بتاريخ إنشائه، أو بمن يقطن فيه … إلخ، فعلمك بوجود السَّبب مُتقررُ عقلا، وما يبقى مُعلَّقًا - إلى حين النظر في المعطيات والقرائن وتقييمها - هو تحديد السبب لا الحكم بوجوده. كما أنَّ برهان النظم يستند إلى توفّر مادَّة النَّظم أينما كانت وكيفما كانت، فوجود نظم من أي نوع كان يكفي لإثبات وجود المنظم - بحكم قانون السببية - وهذا يعني أنَّ فقدان النظم في بعض الظواهر أو في بعض المناطق - إن وُجِدَ ذلك حقًّا - لا يقدح في حقيقة البرهان، كما أنَّه لا يُشترط مطلقًا أن نتصفّح الوجود بأسره لكي نستدل ببرهان النظم على وجود المنظم، بل يكفي من ذلك تصفح بعض أجزائه التي تحمل في طياتها ومطوياتها دلالات النظم وتضاريسه. هذه الأُسس والدعائم لا بُدَّ من تحققها؛ لنصل بعد ربط بعضها ببعض إلى حقيقة وجود الإله المنظم. يقول ابن رشد: كما أنَّ الإنسان إذا نَظَرَ إلى شيء محسوس فرآه قد وُضع بشكل ما، وقدر ما، موافقا في جميع ذلك للمنفعة الموجودة في ذلك الشَّيء المحسوس، والغاية المطلوبة، حتى

يعترف أنه لو وُجِدَ بغير ذلك الشكل، أو بغير ذلك الوضع، أو بغير ذلك ابن رشد القدر لم تُوجَد فيه تلك المنفعة، عَلِمَ على القطع أنَّ لذلك الشيء صانعا

صنعه، ولذلك وافق شكله ووضعه وقدره تلك المنفعة، وأنَّه ليس يمكن أن تكون موافقته اجتماع

528