مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٤

مناجزة الإلحاد

العملي، فركّز على الإصلاح الخُلقي والاجتماعي والسياسي)، وهو وإن لم يتحدث عن الدين فإنَّه قد أعطى مبررًا إلهيًّا لكل آدابه ()، والفلسفة الكونفوشيوسية لا ترفض الإقرار بإمكان الوقائع الخفية والبعيدة القائمة وراء الطبيعة، ولا يفوتها إدراك ذلك كلّه؛ إنَّ المسألة برمتها هى انصراف الفلسفة الصينية إلى المتاح للخبرة البشرية ليس أكثر (3).

فذلكة

عبر تاريخ الهند والشرق الأقصى لم يُوجد إنكار صريح - وإن بدَتْ جَنَادِعُه - لا تعترضه الاعتراضات وتخيم عليه الضبابية، ونحن إذ نميل إلى القول بأنَّ كل تلك النُّصوص التي تصفحناها تُعبر عن تصورٍ معين يُخالف التصور السَّائد لديانة المجتمع ولتفكيره العام ولا تقترب من حِمَى حقيقة الوجود الإلهي، فإنَّنا - مع ذلك - لا نستطيع أن نجزم بعدم وجود الإلحاد وإنكار وجود الله بشكل مطلق؛ لأنَّ القضيَّة كما مرَّ سلفاً تعتريها الكثير من العراقيل، وزوايا الرؤية فيها معقدة ومنفرجة أشد الانفراج، وتحرير الحقائق من شرنقتها ليس بالأمر الهين، بل إنَّ الطبيعة البشريَّةً نفسها في اتباع الهوى والجُحودِ والإعراض ليست وليدة القرون الأخيرة فقط؛ لذا لا نستبعد ورود شيء من ذلك، إلا أنَّ الفردانية تبقى هي العنوان الأبرز إن صح شيء من ذلك. هذا هو أهم ما عثرنا عليه من نزعات تشكيكيَّةٍ غير صريحةٍ جاءت على استحياء، فإلى هذه الحقبة التاريخية للهند والشرق الأقصى لا يُوجد إلحاد صريح؛ نعم قد يُوجد تشكيك لكنَّه لا يرقى إلى إنكار وجودِ الله أساسًا. ونلفت انتباه القارئ الكريم إلى أن الفكر الهندي والشرق الأقصوي وإن كان أنَّ في بعض نظراتهِ الضَّبابية وكأنَّه قد أَفَرَغَ السَّماءَ فعلا من الآلهة فإنَّه في المقابل وبالتأكيد قد ملأ الأرض بها، ولا يخلو في معتقداته - حتمًا - من الاعتقاد بمبدأ يقوم مقام الإله بصورة من الصُّوَر، وعدم الانتباه إلى هذه القضيَّةِ هو الذي قاد جمعًا من الكتاب إلى وصم هذه الديانات وهذه الفلسفات بـ (الماديَّة) و (الإلحاد مع أنها تضج بالإيمان والروحانيات والاعتقاد بما وراء المادَّة والطَّبيعة، وهذه الحقيقة قد استطارت عنهم استطارةَ، البرق، وانتشرت انتشار الصُّبح، فكيف تُقبل إشاحة الوجه عنها!!

1 - يُنظر: إبراهيم محمد الأديان الوضعية في مصادرها المقدَّسة، ص 211. 2 - يُنظر: حبيب سعيد، أديان العالم، ص (117). ويرى جوزيف نيدهام أنَّ منهج الشك في الكونفوشيوسية قد ظهر بعد كونفوشيوس، لكن هذا المنهج اقتصر على التشكيك بظواهر معينة فقط كالأشباح والأرواح والتنجيم دون المساس بالوجود الإلهي. (يُنظر: جوزيف نيدهام، موجز تاريخ العلم والحضارة في الصين، ص 315 وما بعدها).

- يُنظر: تشاگر امازتيرام - پراساد، الفلسفة الشرقية، ص 70.

54