مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٣١

المبحث التاسع: المستوى العقلي

الإيمان والعقيدة، وهو أنَّ لهذا الكون خالقًا عليمًا خبيرًا بخلاف ما يدعيه الماديون مِن أنَّ هذا النَّظم نابع من المادة نفسها، أو أنَّه وليد الصدفة العمياء!

يقول ابن رشد في معرض ذكره لخصائص برهان النظم:

فأَمَّا أنَّ هذا النوع من الدليل قطعي وأنَّه بسيط فظاهر من هذا الذي كتبناه، وذلك أنَّ مبناه على أصلين معترف بهما عند الجميع؛ أحدهما أنَّ العالم بجميع أجزائه يُوجد موافقًا لوجود الإنسان، ولوجود جميع الموجودات التي هاهنا. والأصل الثَّاني: أَنَّ كلَّ ما يُوجد موافقًا في جميع أجزائه لفعل واحد، ومسدَّدًا نحو غاية واحدة، فهو مصنوع ضرورة. فينتج عن هذين الأصلين بالطَّبع أنَّ العالم مصنوع وأنَّ له صانعا، وذلك أنَّ دلالة العناية تدلُّ على الأمرين معًا، ولذلك كانت أشرف الدلائل الدالة على وجود الصَّانع “

برهان النظم والمعطى العلمي

(2)،

إنَّ من أكثر ما يختالُ به العصر الحديثُ هو تقدم العلوم الطبيعية والنقلة الهائلة في هذا الجانب، ومعه أضاف العلماء ما استجد لديهم مما يشهد بواقع الحال على وجود الخالق وعظمته وحكمته في خلق الكون، فأفاضوا في الحديث عنه بما لم يسبق إليه؛ وما ذاك إلا نتاج الكشوفات الحديثة وما أتاحته لهم من اطلاع بالغ على الكون تراكيبه ونُظُمه، ولو تأمل متشكك مضامين هذا البرهان - بما كُتب قديمًا وبما أضيف إليه حديثًا - على وجه الدقة والنَّصفة والموضوعية؛ لأذعن ولأسلس قياد نفسه للركوع في محراب الوحدانية؛ لما لهذا البرهان من قوَّة صارمة، وبساطة آسرة في آن، فهنا، وفي هذا البرهان تحديدا تجتمع ثُنائيتا القوة والبساطة! فما قوته إلا في الإحكام الماثل في جميع زوايا هذا الكون بحيث لا تخلو زاوية من زواياه من بصمة إحكامه، ولا تتفلت رقعة منه من أسر قبضة سلطانه، وما بساطته إلا لسهولة مأخذه ولانبثاث شواهده في كل زاوية من زوايا الكون.

ولو أمعنا النظر في تاريخ الكون عبر مراحله السحيقة المغرقة في القدم؛ لوجدنا أنَّ كلَّ مرحلة منها كانت تُمهَدُ الدَّرب للآتين من بعدها، وتفرش لهم بساطها الأحمر، وتحسر لذلك عن ساقها، مشعرةً إيَّاهم بأنَّ هناك خطةً مرسومةً تقود قافلة الكون نحو غايات مستقبلية، من

1 - مميزات البرهان مقتبسة من كتاب: جعفر السبحاني، الله خالق الكون، (237 - 242)، ”بتصرف“.، 2 - ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص 163.

531