مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٥

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

إطلالة

على اليونان القديمة

اليونان هي: فلا غرو أن تكون محط نظر في تاريخها الديني، ولربما وُلِدَ الإلحاد من رحم فلسفتها كما يرى ذلك حشد من الباحثين؛ إلا أنَّ هذا الحكم بإطلاقه قد يكون ضربًا من التسرع والمجازفة، فليس كل موضع ذكر فيه الإلحاد يُفسَّر حصرًا على أنَّه إنكار لوجود الله، وهذا أمر مفروغ منه؛ بحكم أنَّ الإلحاد كان يُطلق في اصطلاحهم على كل من تبنّى رأيًا يُصادم السائد والمألوف، وعلى كل من أرادت يد السياسة أن تغتاله وتنكّل به دون إحداث جلبة أو استدرار عطف.

دَأُمَاءُ الفلسفة، وقطب رحاها أيام كانت فلسفتها في أوج عطائها وأجلى تجلياتها،

هناك ما يُشبه الإجماع - مؤخَّرًا - على القول بتأثر الفلسفة اليونانية بالفلسفات السابقة والأخذ منها كالفلسفة القبطية والبابلية والهندية والصينية وغيرها). وكإطلالة على ما أمكن رصده واقتناصه من شرائد الإلحاد في اليونان القديمة سنستعرض أهم ما جاء في ذلك من منقولات وتدوينات وآراء، فقد أشار أفلاطون (lato) إلى أشكال الإلحاد المتنوعة، كانتهاك حرمة المعابد أو سرقتها، والاستهزاء بالأساطير الخاصة بالقصاص والتطهير، والتشكيك فى صحة الصَّلوات، وإنكار عناية الآلهة بالبشر، والكفر بوجود الآلهة (3). ولا ريب

أفلاطون

أنَّه لا يعنينا من كل هذه الأشكال التي عدها أفلاطون أشكالًا إلحاديَّةً إلا إنكار وجود الله، وبالفعل فقد تحققت ميدانيا بعض تلك الأشكال الإلحاديَّة، وتم اتهام مرتكبيها بالإلحاد) وهذا يؤكد ما قلناه مِرارًا وتكرارًا من أن الإلحاد كثيرًا ما يكون مجرد اتهام لمن خالف السائد

1 - تشير البيانات التَّاريخية القديمة إلى أنَّ اليونانيين كانوا على صلة وثيقة بشعوب الشرق الأدنى، خصوصا المصريين والفينيقيين والبابليين، وأنَّ صلاتهم بهذه الشُّعوب لم تقتصر على الجانب التجاري والعسكري، بل تعدتها إلى التبادل الفكري والثقافي، بل يرى المؤرخ هيرودوتس أنَّ المصريين اخترعوا الهندسة ثمَّ نقلها اليونانيون عنهم. (يُنظر: ماجد فخري، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 5 - 6). ولمزيد تفصيل؛ يُراجع: مصطفى النشار، المصادر الشرقية للفلسفة اليونانية، ص (49 - 126). 2 - من أعظم الفلاسفة في العصور القديمة، وُلد في عام (427 ق. م) من أسرة أرستقراطية أثينية، تضلع في الفنون، وصار تلميذا لامعًا لسقراط، ولم يفارقه إلى يوم محاكمته وموته، من أشهر مؤلفاته: (الجمهورية). يُنظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة ص 71). - يُنظر: عصمت نصار الفكر الديني عند اليونان، ص 129.

4 - للمزيد يُنظر: عزت قرني، أفلاطون في السفسطائيين والتربية، محاورة بروتاجوراس.

00