مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٤٣

نتيجة برهان النظم

المبحث التاسع: المستوى العقلي

في برهان النَّظم نجد بأنَّ النتيجة النهائية هي إثبات وجود الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّها النتيجة العقلية المنطقية الوحيدة، والتي تفرضها الضَّرورة العقلية، وتظهر مصداقيتها في ثلاثة أمور: الأول: الإعجاز المذهل في تموضعات الأفراد الجزئية المبثوثة بين زوايا الكون الرَّحيب. فكل جزء قد وُضع في مكانه المناسب بكل دقة؛ ليؤدي دوره المنوط به، ولا يتأتى كلُّ هذا إلا

بتقدير من عليم خبير.

الثَّاني: الضبط والتَّوازن الدَّقيقان في النسيج الكوني، وما يشتمل عليه من علاقات حاكمةٍ بين أفراد الجزئيات الكونية المختلفة. لنتفكر - مثلاً - في عملية تبادل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بين النباتات والحيوانات فلو امتنعت النَّباتات عن بثّ الأكسجين لما وُجِدَتْ الكائنات الحية، ولو لم تمنح هذه الكائناتُ الحيَّةُ ثاني أكسيد الكربون للنباتات لما وُجِدَتْ النباتات إنَّها عمليَّةً تبادليَّةً تناسقيَّة، فكلُّ أجزاء الكون مرتبطة ببعضها أشدَّ الارتباط؛ لذا لا عجب إن قيل بأنَّ انقراض النَّحل - مثلًا - سيعقبه انقراض للحياة كلها على الأرض! ولنتفكَّر كذلك في قضيَّة الداء والدواء، حيث إنَّ الطَّبيعة توفر للكائنات الحية ما يُسعفها على البقاء، أو ما يُخفف عنها آلامها حال تعرضها للأدواء، أو لنتفكر في تناسب أحجام الكائنات، لننظر مثلًا إلى الحشرات التي تكتسح فناء الأرض بأعدادها المهولة، ماذا لو كانت أحجامها أكبر مما هي عليه بعشرات المرَّات؟! في الحقيقة هناك ألوف الأمثلة والنماذج التي تفرض نفسها علينا عنوةً لتضطرنا إلى الإقرار بالضَّبط والتَّوازن والتَّناسب الذي يفيض به الكون. إن مجموع هذا الضَّبط والتَّوازن لا يُمكن تفسيره بالمادة نفسها؛ لأنَّ المادة منفردةً لا يُمكن أن تُنتج ضبطاً وتوازنا ونظامًا، فالحجارة بمفردها لا تصنع منزلًا، ولهذا لم يتفوه أحد بهذا القول، كما أنَّ اجتماع المادة مع بعضها هو الآخر لا ينتج ضبطاً وتوازنًا ونظامًا، فالحجارة باجتماعها مع

543