مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٥٤٤

مناجزة الإلحاد

الحديد والإسمنت والماء لا تصنع منزلًا، فهذا مبلغ تقصر عنه خطاها، ولا يسع له أبدًا طوقها! إنَّ ما يصنع منزلا - أو ضبطاً دقيقًا ونظامًا مُحَكمًا - هو وجود قوَّة وإرادة واعية لها علم وتخطيط مسبق.

إنَّ الفاعل الواعي هو وحده من يستطيع ابتداع النظم المعقد والمخصص، أما الفاعل غير الواعي فليس له إلى ذلك من سبيل؛ لأنَّ (فاقد الشَّيء لا يُعطيه). فالإنسان على سبيل المثال يصنع جهاز الحاسوب، لكن الحاسوب لا يصنع إنسانًا.

الثالث: نظام حساب الاحتمالات (Probability Theory) حيث إنَّ اجتماع العدد الهائل من شروط الحياة وبنود الاستقرار بتلك الصُّورة المضبوطة والمحسوبة رياضيا بكل دقة وتوازن وبذلك الترتيب المشروط والمناسب لا يُمكن أن يكون إلا بتقدير من عليم قدير خبير، ولو أننا قارنا بين احتمال أن تكون هذه الشَّرائط صادرةً من الإله العليم القدير واحتمال أن تكون صادرةً من معاقل الصُّدف أو من كنائن المادَّة من غير قصدٍ ولا غاية فإنَّ العقل والمنطق سيجنحان بكل تأكيد إلى الوقوف في صف الإله العليم القدير، ويفرَّان من الاحتمالين المناهضين له، وإِنْ شَغَبَ مَن شَغَبَ بافتراض وجود احتمالية للصُّدفة وضربات الحظ والتخبط العشوائي وانعدام القصد والغاية فإنَّ تلك الاحتمالية من الضعف بمكان لا يمكن التمادي في اعتبارها أو الالتفات إليها.

معه

إِنَّ من يُطالع كتابًا ككتاب (الإشارات والتنبيهات لابن سينا، أو كتاب (الأسفار الأربعة) للملا صدرا الشيرازي، دون أن يعلم من هما مؤلفاهما، فإنَّه لن يُخامره أدنى شكّ في أنَّ الأفكار والمفاهيم العميقة المبثوثة في هذين الكتابين هما من عطاء عالمين نطاسيين متضلعين في سبر أغوار الفلسفة والمنطق، تثنى بهما الأصابع، وتُعقد عليهما الخناصر، وإن ظنَّ بأنَّهما من عطاء شخص أُمّي أو جاهل فإنَّ ظنّه سيكون مُغرِقًا أشدَّ الإغراق في الضعف والوهن والضحالة (2). وإن زعم زاعم بأنَّ هنالك احتماليَّةً على نحو ما لأن تكون كل تلك الأفكار والمفاهيم

1 - هناك مثال جميل ذكره د. عدنان إبراهيم في كتابه (مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد يقول فيه: "جملة: (نص حكيم قاطع له سر) - وهي جملة مؤلفة من الأحرف المقطعة الموجودة في أوائل بعض سور القرآن - نظم هادف له معنى، ولكنه حتما ليس مُسببًا عن مجرَّد خواص كل حرف من الأحرف المكونة لها؛ بدليل أنَّه يمكن تأليف جملةٍ مختلفةٍ من الحروف ذاتها مثل ما يردد الشيعة (صراط علي حق نمسكه). أو ما يقوله أهل السُّنة (صح طريقك من السُّنة)، فمن البين أنَّه لا يُوجد في خواص الحروف ما يجعلها تنتظم بطريقةٍ تُنتج معها هذه الجمل المفيدة، لا مناص من الإقرار بوجود إرادة واعية مهيمنة“. (عدنان إبراهيم، مطرقة البرهان، ص 15 بتصرف).

2 - المثال كما هو واضح مخصوص بالأفكار والمناقشات الفلسفية في الكتابين، لا بالنسخ والنقل والطباعة.

544